الحياة اليومية

هل ما زلنا نملك وقتًا لأنفسنا؟

في لحظة عابرة، قد نجد أنفسنا نتساءل: متى كانت آخر مرة جلسنا فيها مع أنفسنا دون وسيط؟ دون شاشة، دون إشعار، ودون ذلك الإحساس المستمر بأننا مطالبون بأن نكون في مكان آخر، أو ننجز شيئًا إضافيًا.

نعيش في زمن تحوّل فيه الانشغال إلى معيار غير معلن للقيمة. كلما ازدحمت الأيام، بدا الأمر وكأنه دليل على الأهمية. أما الهدوء، فغالبًا ما يُساء فهمه؛ كفراغ، أو تراجع، أو خروج عن الإيقاع العام للحياة.

لكن السؤال يظل قائمًا:

هل كثرة الانشغال تعني بالضرورة حياة أفضل؟

تتشابه الأيام بسرعة لافتة. ننتقل من مهمة إلى أخرى، ومن شاشة إلى شاشة، حتى بات الصمت نفسه يثير القلق. لم نعد نحتمل لحظات الفراغ القصيرة، فنملؤها تلقائيًا بأي شيء يمنعنا من التفكير طويلًا.

في خضم هذا كله، يبدو أن أكثر ما نخسره هو الوقت مع الذات.

ذلك الوقت الذي لا يحمل عنوانًا، ولا إنتاجية واضحة، لكنه يمنحنا فرصة نادرة لمراجعة أفكارنا، لفهم مشاعرنا، وللتساؤل عمّا إذا كنا نسير في الاتجاه الذي نريده حقًا، لا الذي فُرض علينا.

الهروب من الصمت ليس صدفة. فالصمت يفتح أبواب أسئلة مؤجلة، وأسئلة كهذه تتطلب شجاعة. لكنه، في الوقت ذاته، الباب الوحيد لفهم أعمق للذات. فكيف نعرف أنفسنا إن لم نمنحها فرصة للظهور؟

لا دعوة هنا إلى الانسحاب من العالم، ولا إلى العزلة. الحياة بطبيعتها مشاركة ومسؤوليات. لكن ما نفتقده هو التوازن: أن نكون جزءًا من هذا العالم دون أن نذوب فيه بالكامل.

  • أن نعمل، نعم… لكن دون أن نختفي خلف العمل.
  • أن نتواصل، نعم… لكن دون أن نفقد الاتصال الداخلي.
  • أن ننجز، دون أن ننسى لماذا بدأنا أصلًا.

ربما لا نحتاج إلى المزيد من السرعة، ولا إلى أدوات جديدة لتنظيم الوقت، بل إلى إعادة تعريف علاقتنا به. إلى الاعتراف بأن التوقف أحيانًا ليس ضعفًا، بل ضرورة إنسانية.

مساحة صغيرة كل يوم، صامتة وبسيطة، قد تكون كافية لإعادة ترتيب الداخل.

في تلك المساحة، لا نبحث عن إجابات نهائية، بل عن وضوح، أو حتى عن سؤال صادق واحد.

ربما هذا كل ما نحتاجه اليوم:

أن نستعيد حقًا هادئًا، بسيطًا، لكنه جوهري…

وقت نكون فيه مع أنفسنا، كما نحن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *