المطبخ السعودي في باريس: الطعام بوصفه ممارسة ثقافية عابرة للحدود

في مدينة مثل باريس، حيث تتجاور المطابخ والهويات وتُختبر الثقافات يوميًا، يشكّل افتتاح مطعم سعودي حدثًا يتجاوز فكرة الطعام ليصل إلى مساحة أوسع من التعبير الثقافي.
من هذا السياق، يأتي مطعم Sadu كإضافة مختلفة إلى المشهد الباريسي، لا باعتباره مشروعًا تجاريًا فحسب، بل كتجربة تحمل في تفاصيلها رؤية ثقافية واضحة للهوية السعودية.
يحمل الاسم دلالته منذ الوهلة الأولى؛ فالسدو حرفة تقليدية ارتبطت بالبيئة السعودية، وبالحياة اليومية، وبالعمل اليدوي القائم على الصبر والدقة وتحويل المادة إلى معنى. غير أن حضور السدو في تجربة المطعم لا يقتصر على الاسم أو الرمز، بل يمتد ليشكّل جزءًا من الفضاء المادي نفسه.
في Sadu، تتحول الحرفة إلى ممارسة حيّة. فالأقمشة والمفروشات والقطع النسيجية المصنوعة يدويًا من السدو تشكّل عناصر استخدام يومي داخل المكان، لا معروضات منفصلة عن الحياة. هذا الحضور الملموس يحوّل المطعم إلى فضاء تُعاش فيه الذاكرة، حيث تتداخل الوظيفة مع الجمال، والحرفة مع الممارسة المعاصرة، في انسجام هادئ مع روح المدينة الباريسية.
أما المطبخ، فيُقدَّم بوصفه امتدادًا لهذه الرؤية. فالمطبخ السعودي هنا لا يُعرض كتراث جامد أو مادة فولكلورية، بل كهوية حيّة قادرة على الحوار والتجدد. الأطباق تستلهم وصفات متجذّرة في الذاكرة المحلية، لكنها تُعاد صياغتها بأسلوب معاصر يحترم الذائقة العالمية دون أن يفقد صلته بالأصل.
اختيار باريس لاحتضان هذا المشروع يمنحه بعدًا إضافيًا. فالمدينة، بتاريخها الطويل في استقبال التجارب الثقافية المختلفة، توفّر فضاءً يسمح للهوية القادمة من الجزيرة العربية بأن تُقدَّم بثقة وهدوء. في هذا السياق، يصبح المطعم نقطة التقاء بين ثقافتين، حيث لا تطغى إحداهما على الأخرى، بل تتحاوران عبر الطعام والمكان والتجربة.
يقف خلف Sadu شغف واضح بتقديم صورة إنسانية ويومية عن الثقافة السعودية، صورة ترى في الضيافة ممارسة ثقافية قائمة على الترحيب والاهتمام بالتفاصيل. فريق العمل لا يقدّم خدمة طعام فقط، بل يساهم في بناء تجربة تواصلية تعيد تعريف العلاقة بين المطبخ والهوية في فضاء حضري عالمي.
في المحصلة، يقدّم Sadu نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه المشاريع الثقافية حين تُبنى على فهم عميق للهوية. هنا، لا يكون المطعم غاية في حد ذاته، بل وسيلة للسرد، ومساحة للحوار، وتجربة تُظهر كيف يمكن للطعام والحرفة والمكان أن تشكّل معًا ممارسة ثقافية عابرة للحدود.
إعداد رانيا أيوب






