الأمعاء… حين تبدأ الصحة النفسية من الداخل

قراءة ثقافية طبية موسّعة في دراسة حديثة عن محور الأمعاء–الدماغ
لم تعد الصحة النفسية في العصر الحديث قضية معزولة عن الجسد، بل أصبحت محورًا رئيسيًا في الأبحاث الطبية المعاصرة التي تسعى إلى فهم الإنسان كوحدة متكاملة. ومن أبرز الاكتشافات العلمية التي لاقت اهتمامًا واسعًا خلال الأعوام 2024–2025 ما يتعلق بمحور الأمعاء–الدماغ، الذي أعاد صياغة العلاقة بين التغذية، ونمط الحياة، والحالة النفسية.
تشير الدراسات الحديثة إلى أن الأمعاء لا تقوم بوظيفة الهضم فقط، بل تحتوي على جهاز عصبي مستقل يُعرف بالجهاز العصبي المعوي، يضم ملايين الخلايا العصبية، ويتواصل بشكل مباشر مع الدماغ عبر العصب المبهم والمواد الكيميائية الحيوية. هذا الاكتشاف دفع العلماء إلى وصف الأمعاء بأنها «الدماغ الثاني».
وتعيش داخل الأمعاء تريليونات من البكتيريا النافعة التي تُشكّل ما يُعرف بالميكروبيوم المعوي. وقد أثبتت الدراسة أن هذا الميكروبيوم يلعب دورًا حاسمًا في إنتاج وتنظيم النواقل العصبية مثل السيروتونين، حيث يُنتج أكثر من 90٪ من السيروتونين في الأمعاء، وهو ما يفسّر ارتباط صحة الجهاز الهضمي بالمزاج والاستقرار النفسي.
وتوضح الدراسة أن اختلال توازن هذه البكتيريا، بسبب التوتر المزمن، أو الإفراط في تناول الأغذية المصنعة، أو قلة النوم، قد يؤدي إلى زيادة الالتهابات في الجسم، وإرسال إشارات سلبية إلى الدماغ، مما ينعكس في صورة قلق، اكتئاب، ضعف تركيز، واضطرابات مزاجية.
ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على الجانب الطبي فقط، بل تمتد إلى البعد الإنساني والثقافي للصحة. فهي تؤكد أن العافية النفسية ليست نتاج العلاج الدوائي وحده، بل ثمرة تفاعل يومي بين الجسد، والعقل، ونمط الحياة، والبيئة المحيطة.
وتقترح الدراسة أن دعم صحة الأمعاء يمكن أن يكون عنصرًا وقائيًا ومساندًا في تحسين الصحة النفسية، من خلال تبني نمط غذائي متوازن غني بالألياف، والخضروات، والأطعمة الطبيعية، وتقليل السكريات والدهون المصنعة، إلى جانب تنظيم النوم، وممارسة النشاط البدني، وإدارة التوتر.
إن الرسالة الأهم التي تحملها هذه الدراسة هي إعادة الاعتبار لمفهوم الصحة الشاملة، حيث يُنظر إلى الإنسان بوصفه كيانًا واحدًا لا يتجزأ. فالاهتمام بالجسد هو في جوهره اهتمام بالنفس، والعناية بالنفس تنعكس إيجابًا على الجسد.
وفي عالم يتسم بالتسارع والضغوط المتزايدة، تبرز هذه الرؤية كدعوة إلى التوازن والوعي، وإلى بناء ثقافة صحية تقوم على الوقاية، والاعتدال، والاحترام العميق لاحتياجات الإنسان الجسدية والنفسية.
وتخلص الدراسة إلى أن الطب الحديث يتجه بخطى ثابتة نحو نموذج أكثر إنسانية، يدمج بين العلم الدقيق والرؤية الشمولية، ويؤكد أن العافية ليست هدفًا مؤقتًا، بل مسار حياة مستمر.
المراجع العلمية (بصيغة مبسّطة)
- Nutrients Journal — Gut–Brain Axis Review (2024–2025)
- ScienceDirect — Microbiome and Mental Health (2025)
- PMC — Gut-Brain Communication Studies




