اضطراب طيف التوحّد: مقاربة طبية حديثة وآفاق علاجية واعدة

مقدمة

يُعدّ اضطراب طيف التوحّد من أبرز الاضطرابات النمائية العصبية التي شهدت تحوّلًا جذريًا في فهمها خلال العقود الأخيرة. فبعدما كان يُنظر إليه بوصفه اضطرابًا سلوكيًا محدودًا، بات يُفهم اليوم على أنه حالة معقّدة ومتعددة العوامل، تتداخل فيها المحددات الجينية والعصبية والبيئية، وتتجلى عبر طيف واسع من الأعراض والخصائص السريرية.

الخلفية البيولوجية والآليات المرضية

تشير المعطيات العلمية الحديثة إلى أن اضطراب طيف التوحّد يرتبط بعدد من العوامل البيولوجية والعصبية، من أبرزها:

  • اضطرابات في ترابط الشبكات العصبية؛
  • خلل في التوازن بين الإشارات العصبية المثيرة والمثبطة؛
  • طفرات جينية متعددة تؤثر في نمو الدماغ المبكر وتطوره.

كما أظهرت دراسات التصوير العصبي الوظيفي وجود اختلافات في بعض المناطق الدماغية المرتبطة بـ:

  • الإدراك الاجتماعي؛
  • اللغة؛
  • المعالجة الحسية.

وتؤكد هذه النتائج أن التوحّد ليس حالة موحّدة أو بسيطة، بل اضطرابًا متشعّبًا يتداخل فيه عدد كبير من العوامل والآليات.

المقاربات العلاجية المعتمدة حاليًا

1. التدخل المبكر

يُعدّ التدخل المبكر من أهم الركائز العلاجية في التعامل مع اضطراب طيف التوحّد، وتشمل أبرز أشكاله:

  • تحليل السلوك التطبيقي (ABA)؛
  • العلاج النطقي؛
  • العلاج الوظيفي.

وقد أثبتت دراسات عديدة أن التدخل المبكر يسهم بشكل ملحوظ في تحسين:

  • مهارات التواصل؛
  • التفاعل الاجتماعي؛
  • الاستقلالية الوظيفية.

2. العلاج الدوائي

لا يوجد حتى اليوم دواء يعالج التوحّد بحد ذاته، غير أن بعض الأدوية تُستخدم للحد من الأعراض المصاحبة أو الاضطرابات المرافقة، مثل:

  • القلق؛
  • فرط النشاط؛
  • الاندفاعية.

ويُنظر إلى العلاج الدوائي هنا بوصفه جزءًا مساعدًا ضمن خطة علاجية شاملة، لا بديلًا عن التدخلات النفسية والتربوية والتأهيلية.

أهم العلاجات قيد البحث

تشهد السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في عدد من المسارات البحثية الواعدة، من أبرزها:

1. التحفيز الدماغي غير الجراحي

ومن أمثلته:

  • التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS)؛
  • التحفيز الكهربائي منخفض الشدة.

وتشير النتائج الأولية لبعض الدراسات إلى تحسّن محتمل في:

  • الانتباه؛
  • التفاعل الاجتماعي.

ومع ذلك، ما تزال هذه المقاربات بحاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد فعاليتها الدقيقة وحدود استخدامها.

2. الطب الجيني والعلاج الموجّه

يتجه هذا المجال نحو:

  • تحليل الطفرات الجينية الفردية؛
  • تصميم تدخلات علاجية مخصّصة بحسب الخصائص البيولوجية لكل حالة.

ويُعدّ هذا المسار من أكثر المجالات العلمية وعدًا، لا سيما في الحالات المرتبطة بمتلازمات جينية محددة.

3. محور الأمعاء – الدماغ

برز في السنوات الأخيرة اهتمام متزايد بدراسة العلاقة بين الميكروبيوم المعوي والسلوك، وما إذا كان لهذا المحور دور في بعض مظاهر التوحّد.

وفي هذا السياق، أُجريت تجارب على:

  • البروبيوتيك؛
  • تعديل النظام الغذائي.

وقد أظهرت بعض الدراسات تحسنًا نسبيًا في بعض المؤشرات السلوكية والتواصلية، إلا أن النتائج لا تزال غير حاسمة حتى الآن.

4. الذكاء الاصطناعي

أصبح الذكاء الاصطناعي أداة واعدة في هذا المجال، سواء من خلال:

  • تحليل أنماط السلوك بدقة عالية؛
  • تطوير برامج تدريبية تفاعلية؛
  • المساهمة في التشخيص المبكر عبر تحليل الفيديو والتفاعل.

ويمثل هذا التوجه أحد المجالات الحديثة التي قد تسهم مستقبلًا في تحسين أدوات التقييم والتدخل.

نصائح للأهل عند التشخيص

غالبًا ما تشكّل لحظة التشخيص صدمة للأهل، غير أن طريقة التعامل معها قد تُحدث فرقًا كبيرًا في مسار الطفل وتطوره.

1. تقبّل التشخيص دون إنكار أو شعور بالذنب

التوحّد ليس نتيجة خطأ تربوي، ولا انعكاسًا لتقصير من الأهل، بل إن العامل البيولوجي يشكّل أساسًا مهمًا في فهم هذه الحالة.

2. البدء المبكر بالتدخل

لا ينبغي انتظار تحسّن تلقائي أو افتراض أن الوقت وحده سيحلّ المشكلة. فكل شهر في السنوات الأولى من عمر الطفل قد يكون بالغ الأهمية.

3. بناء فريق علاجي متكامل

يفضل أن يستند الدعم إلى فريق متعدد الاختصاصات، يضمّ بحسب الحاجة:

  • طبيبًا مختصًا؛
  • أخصائي نطق؛
  • أخصائي سلوك؛
  • أخصائي علاج وظيفي.

4. التعلّم المستمر

يُعدّ تثقيف الأهل جزءًا أساسيًا من المسار العلاجي، لأن فهم طبيعة التوحّد واحتياجات الطفل يساعد على دعمه بشكل أكثر وعيًا وفعالية.

5. دعم الطفل نفسيًا، لا تدريبيًا فقط

من المهم ألا يقتصر الاهتمام على الجوانب التدريبية والتقنية، بل ينبغي أيضًا:

  • تعزيز ثقته بنفسه؛
  • تجنّب المقارنات الجارحة؛
  • الاحتفاء بكل تقدم، مهما بدا بسيطًا.

6. الاهتمام بالأهل أنفسهم

الإرهاق النفسي لدى الأهل أمر شائع، لذلك فإن طلب الدعم والمساندة ليس علامة ضعف، بل خطوة ضرورية للحفاظ على التوازن والاستمرار.

خاتمة

التوحّد ليس مرضًا بالمعنى التقليدي، بل حالة نمائية تستدعي فهمًا عميقًا، وتدخلًا مبكرًا، ونهجًا متعدد الأبعاد. ورغم أن العلاج الشافي لا يزال غير متوفر حتى اليوم، فإن التقدم العلمي المتسارع يفتح آفاقًا جديدة، ليس فقط لتحسين الأعراض، بل أيضًا لفهم أعمق للدماغ البشري ذاته.

غير أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على تطوير العلاجات، بل يشمل أيضًا بناء مجتمع قادر على استيعاب الاختلاف، واحترامه، وتحويله إلى مصدر قوة إنسانية

خَبَبٌ على شواطِئِ النَّفْس

ومن التأمّلاتِ ما طفا عنه الوصفُ
لم تتداركه الأنفاسُ إلا باهتةً .. لا تُبيِّنُ همسًا ولا صَرْفًا
كمَنامٍ عَجِبْتُ فيه لِما يُرى، ثم انطوى في عالَمٍ .. سفريّاتُه جدائلُ من بحارٍ، وغِمارٍ، وقدَر

قلتُ
في دواخلِنا .. نُصافِحُ أقدارَنا بألوانٍ وأحيانٍ، على اختلافِ أجناسِ الوقوعِ وأوقاتِ الحُصول
فيجيءُ خيالُنا متربِّعًا على سَنامِ حقيقةٍ ماثلةٍ
والخيالُ أخو الحقائقِ، لا ظلالُها
كالشموسِ .. شاهرةً أنوارَها

كم عين فحصت أعماقَ الذاتِ فصنعتْ مطابعًا
حتى إذا التَقَمَتِ القدمُ الرِّكابَ، واهتزّت أعنّةُ الخطابِ
أَذِنَ المنطلَقُ بفعلٍ مُصادِقٍ على ما طُبِعَ، موافِقٍ لِما اعتلجتْ جذواتُه متنَ الأغوارِ
ونحن بين ذلك مهدٌ، وأرضٌ نبتتْ منها بذورٌ

اتّفقتْ فيها المكاوينُ، والمكامنُ، والأحايينُ، وما انبلجتْ عنه النفوسُ

فقلتُ و الكلام عاندني في مكمني كالصدى
ذاك بريقٌ كالوميضِ، وُلِدَ ليلتحقَ، ووُجِدَ لينعتقَ.. كأنّي بدقِّ البابِ يستنطقُ فتحَه
ومراكبُ سَوّاحةٌ لملمتْ أوصالًا لتبني وصالَه
وظلَّ يفتّشُ عن نفسِه .. بين الكُوَمِ .. ساهراتٌ هي، رامتْ إهابَه
فأفضتْ إلى الغيبِ بأسرارٍ
فِعلُ « كن » فكانتْ .. هي إدامه
بالفعلِ أمضيناه و بالفعلِ ارتفق
فعلٌ هو مطيّةٌ للقولِ .. و حقٌّ للفعلِ أن ينبثقَ
وبين الفعلينِ برزخٌ يضمُّهما
إلى صدرِ شمسٍ
ترقرقَ طلوعُها غدًا.. بسّامةَ الثنايا، تشترقُ

أسعد بأيّامٍ سلختْها ثوانٍ
وأُخرى عالجتْها قرونٌ
أيُّها الأسعدُ، و منها
دارتِ الأرجاءُ كي تمتشقَ
أكثِرْ على نفسِكَ الدقَّ، يا صديقي
فرقمُكَ تساقطَ كورقاتٍ
ولعلَّ الظلالَ تنبجسُ أنوارًا

كإرمَ تتثاءبُ غبراتُها .. كي تنعتق
أوّابة المحاسنِ.. راسيات
قد برزتْ من العمادِ مناكبُ شدادٌ
لِمَن يرى المُنيفَ
أيّانَ يُلقي الجناحُ .. وَشْيَ الشفَقِ

الأستاذ : نسيم صخري

رحلة غير متوقعة …من دبي إلى دفء الضيافة في مسقط

اثنا عشر يوماً قضيتها في دبي بشكل غير متوقع. ورغم أن الإقامة لم تكن مخططة، فقد مرّت الأيام بهدوء. مدينة نابضة بالحياة، متعددة الثقافات، تمنح الزائر إحساساً بالحركة المستمرة والانفتاح على العالم

في طريق العودة إلى باريس، مرّت رحلتي عبر سلطنة عُمان. كانت محطة قصيرة، لكنها تحولت إلى واحدة من أجمل مفاجآت الرحلة.

في مسقط لفتني قبل كل شيء لطف الناس وبساطة تعاملهم. ابتسامات صادقة وترحيب حقيقي يجعل الزائر يشعر وكأنه بين أصدقاء.
سوق مطرح… قلب المدينة القديم

ومن الأماكن التي لفتت انتباهي في مسقط سوق مطرح، أحد أشهر الأسواق التقليدية في سلطنة عُمان. التجول في أزقته الضيقة يشبه رحلة صغيرة عبر الزمن؛ حيث تختلط رائحة اللبان والبخور بالعطور الشرقية، وتتلألأ المصنوعات الفضية والتحف العُمانية في واجهات المحلات.

السوق ليس مجرد مكان للتسوق، بل مساحة حية تعكس روح المدينة وتاريخها البحري العريق. بين الممرات القديمة والوجوه الودودة للتجار، يشعر الزائر بصدق الضيافة العُمانية وبساطة الحياة التي ما زالت حاضرة في هذا المكان.

كانت تلك اللحظات في سوق مطرح من أكثر اللحظات التي جعلتني أشعر بقرب الثقافة العُمانية ودفء أهلها، وكأن المدينة تروي حكاياتها بهدوء لكل من يمر عبرها .

في الفندق الذي نزلت فيه كان الاستقبال دافئاً وودوداً. تفاصيل صغيرة لكنها تعكس روح الضيافة العُمانية التي تشتهر بها السلطنة.

قد تكون الزيارة قصيرة، لكنها تركت في الذاكرة أثراً جميلاً. أحياناً لا تكون الرحلات المخطط لها هي الأكثر تأثيراً، بل تلك التي تقودنا إلى لقاءات إنسانية صادقة.

إعداد : رانيا أيوب

صحافية وأخصائية علاج بالطبيعة

بين شعبان ورمضان… لحظة معلّقة في الذاكرة

في الأيام الأخيرة من شهر شعبان، وقبل أن تتبدّل إيقاعات الحياة مع حلول شهر الصيام، تشهد بلاد الشام—وسوريا على وجه الخصوص—طقسًا اجتماعيًا دافئًا يُعرف باسم تكريزة رمضان. ليست هذه المناسبة عيدًا رسميًا، ولا شعيرة دينية منصوصًا عليها، بل تقليد شعبي يعبّر عن حاجة الإنسان للاحتفال بالانتقال من زمنٍ إلى زمن، ومن عاداتٍ يومية إلى إيقاع روحي مختلف.

التكريزة، ببساطتها، تقول شيئًا عميقًا:

نحن لا نستقبل رمضان فجأة، بل نمهّد له بالفرح.

ما هي تكريزة رمضان؟

في الوجدان الشامي، تشير “التكريزة” إلى نزهة أو وليمة جماعية تُقام في أواخر شعبان، حيث تجتمع العائلات والأصدقاء لتوديع الأيام العادية واستقبال الشهر الفضيل.

ويُرجّح باحثون في التراث الشعبي أن الكلمة مشتقة من الاستخدام العامي الذي يدل على الخروج إلى الطبيعة أو التنزّه الجماعي، قبل أن ترتبط زمنيًا بقدوم رمضان (حسن، 2014؛ العلي، 2019).

جوهر التكريزة

  • لقاء عائلي أو جماعي
  • طعام احتفالي وفير
  • نزهة في الطبيعة أو اجتماع منزلي
  • تهيئة نفسية وروحية لرمضان

سوريا… حيث تتحول التكريزة إلى ذاكرة حيّة

في المدن السورية وأريافها، تأخذ التكريزة أشكالًا متعددة، لكنها تحتفظ بروح واحدة: الفرح الجماعي.

1. التكريزة الريفية: الطبيعة كمساحة للوداع

في ريف دمشق وحمص والساحل السوري، تتجه العائلات إلى البساتين وضفاف الأنهار، حاملةً معها أطباقًا منزلية وروحًا احتفالية.

الأطفال يركضون بين الأشجار، والنساء يرتبن المائدة، والرجال ينشغلون بإعداد الشاي على نارٍ صغيرة.

إنها لحظة وداع لحرية الأكل في أي وقت، واستقبال لنظام الصيام بانشراح.

2. التكريزة المدينية: بيت العائلة مركز العالم

في دمشق وحلب وحماة، تُقام التكريزة غالبًا في منزل كبير العائلة، حيث تجتمع الأجيال حول مائدة واحدة.

تُسمع عبارات مثل:

“لنلتقِ قبل أن يشغلنا رمضان.”

وهنا تتحول المناسبة إلى فعل صلة رحم، يسبق شهرًا تتكثف فيه العبادات والانشغالات.

3. تكريزة الشباب: تراث بروح عصرية

في السنوات الأخيرة، ظهرت أشكال حديثة للتكريزة:

  • لقاءات في المقاهي
  • تجمعات طلابية
  • صور تذكارية توثق اللحظة

ورغم تغيّر المكان، يبقى المعنى ثابتًا: مشاركة لحظة الانتقال.

أطباق شائعة

  • المقلوبة
  • الكبة بأنواعها
  • المحاشي
  • الشاكرية

المقبلات

  • الفتوش والتبولة
  • الحمص والمتبل
  • ورق العنب

الحلويات

  • البقلاوة
  • المعمول
  • خبز المعروك

يرى باحثون أن وفرة الطعام في هذه المناسبة تحمل دلالة رمزية: تأكيد القدرة على العطاء قبل شهر يقوم على ضبط النفس (النجار، 2020).

دلالات ثقافية أعمق من مجرد نزهة

1. طقس عبور زمني

تمثل التكريزة انتقالًا رمزيًا من الحياة اليومية إلى الزمن الرمضاني، وهو ما يصفه علماء الأنثروبولوجيا بـ”طقوس العبور” (Van Gennep, 1909).

2. تعزيز الروابط الاجتماعية

اللقاء قبل رمضان يتيح صلة الرحم وتبادل الزيارات في وقتٍ أكثر هدوءًا.

3. التهيئة النفسية للصيام

بدل استقبال الصيام كحرمان، يأتي بعد لحظة احتفالية، ما يخفف وطأته نفسيًا.

4. ترسيخ الهوية الثقافية

تنتقل التكريزة شفهيًا من جيل إلى آخر، مما يجعلها جزءًا من الذاكرة الجمعية السورية.

التكريزة في زمن التحولات

رغم النزوح والهجرة والظروف الاقتصادية، لم تختفِ التكريزة، بل أعادت تشكيل نفسها:

  • في المهجر: تجمعات للجاليات السورية
  • في المدن: لقاءات بسيطة بدل النزهات الكبيرة
  • في البيوت: موائد متواضعة بروح غنية

وهكذا تثبت الثقافة الشعبية قدرتها على التكيّف دون فقدان جوهرها.

التكريزة في المهجر… حين يصبح الحنين مائدة

في أوروبا وتركيا والخليج، تحافظ العائلات السورية على هذا الطقس كوسيلة لحماية الذاكرة الثقافية.

يجتمع الأصدقاء، تُحضَّر الأطباق التراثية، ويُشرح للأطفال معنى التكريزة.

إنها ليست مجرد مناسبة، بل جسر يربط الأجيال بوطنٍ يسكن الذاكرة




الفن والذكاء الاصطناعي: هل ما زال الإبداع إنسانيًا خالصًا؟

“حين تُبدع الخوارزميات، يتغير تعريف الفنان.”

من الأداة إلى الشريك الإبداعي

لطالما استخدم الفنانون التكنولوجيا بوصفها أداة، من الكاميرا إلى برامج التصميم. غير أن الذكاء الاصطناعي نقل هذه العلاقة إلى مستوى جديد، حيث يمكن للأنظمة توليد صور وأنماط فنية استنادًا إلى ملايين البيانات البصرية.

لم يعد الفنان يرسم اللوحة بالمعنى التقليدي، بل يدرّب النموذج، ويختار المخرجات، ويعيد توجيهها. وهنا يتحول دوره من منفذ إلى منسّق إبداعي.

جدل الملكية والأصالة

يثير الفن المولّد خوارزميًا إشكاليات قانونية وأخلاقية، أبرزها:

  • من يملك العمل: المبرمج أم المستخدم أم النظام نفسه؟
  • هل يمكن اعتبار العمل أصيلًا إذا بُني على بيانات فنية سابقة؟
  • أين تنتهي الاستعارة ويبدأ النسخ؟

“الأصالة في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد مسألة مصدر، بل مسألة رؤية.”

يرى بعض النقاد أن الإبداع لا يكمن في الأداة، بل في الفكرة التي توجهها، تمامًا كما لم تُلغِ الكاميرا فن الرسم، بل أعادت تعريفه.

هل يهدد الذكاء الاصطناعي الفنانين؟

رغم المخاوف، تشير التجربة إلى أن التكنولوجيا لا تستبدل الفنان، بل تغيّر مهاراته. فالفنانون اليوم مطالبون بفهم الأنظمة الرقمية، والتفاعل معها، وتوظيفها لإنتاج أشكال جديدة من التعبير.

إن التهديد الحقيقي لا يكمن في الآلة، بل في فقدان الإنسان لقدرته على طرح الأسئلة الجمالية والوجودية التي تمنح الفن معناه.

مستقبل الإبداع الهجين

يتجه المشهد الفني نحو نموذج هجين يجمع بين الحس الإنساني والقدرة الحسابية. وفي هذا التلاقي، قد يظهر شكل جديد من الفن لا يُنسب إلى الإنسان أو الآلة وحدهما، بل إلى العلاقة بينهما.

“الفن القادم لن يكون بشريًا أو آليًا، بل حوارًا بين الاثنين.

منتدى العمل الجمعياتي… جسر للتضامن بين الشعوب

نظّمت جمعية فيدرالية العمّال التونسيين بالخارج، يوم السبت 24 جانفي 2026، منتدى فكريًا وثقافيًا احتضنته دار الجمعيات بمدينة بانتان – فرنسا، تحت شعار «العمل الجمعياتي جسر للتضامن بين الشعوب»، وذلك بحضور لافت لعدد من الناشطين، والإعلاميين، وممثلي جمعيات ومنظمات مدنية من عدة بلدان، في تعبير واضح عن الدعم المتزايد لفكرة الجمعية ورسالتها.

الجمعية: رؤية وأهداف

تُعد جمعية فيدرالية العمّال التونسيين بالخارج إطارًا مدنيًا يهدف إلى الدفاع عن حقوق العمّال التونسيين المقيمين خارج الوطن، وتعزيز اندماجهم الإيجابي في مجتمعات الإقامة، مع الحفاظ على ارتباطهم الثقافي والوطني بقضاياهم الأصلية. كما تعمل الجمعية على دعم المبادرات الاجتماعية والثقافية، وتشجيع العمل التطوعي، وخلق فضاءات للحوار والتضامن بين الجاليات العربية ومختلف مكوّنات المجتمع المدني.

وتنشط الجمعية في تنظيم الندوات الفكرية، واللقاءات الحوارية، والفعاليات الثقافية والإعلامية، إضافة إلى مساهمتها في دعم القضايا الإنسانية العادلة، والتعريف بها داخل الفضاء الأوروبي، في إطار مقاربة قائمة على قيم العدالة، والكرامة الإنسانية، والتعايش السلمي.

كلمة الافتتاح

وافتُتح المنتدى بكلمة للأستاذ علي المرعبي، رئيس اتحاد الصحفيين والكتّاب العرب في باريس ورئيس تحرير مجلة «كل العرب»، حيث تناول في مداخلته عددًا من القضايا المصيرية التي تهمّ العالم العربي، وفي مقدمتها قضية الأحواز والقضية الفلسطينية، مؤكدًا أن الدفاع عن هذه القضايا يُعد جزءًا لا يتجزأ من رسالة العمل الجمعياتي والإعلامي المسؤول.

وأشار المرعبي إلى أن الجمعيات المدنية تلعب دورًا محوريًا في بناء الوعي الجماعي، ونقل صوت الشعوب المظلومة إلى الرأي العام الدولي، داعيًا إلى تكثيف الجهود المشتركة بين الإعلاميين والفاعلين المدنيين.

نقاش مفتوح وتفاعل الحضور

وعقب الكلمة الافتتاحية، فُتح باب النقاش أمام الحضور، حيث شارك عدد من المشاركين بآرائهم ومقترحاتهم حول سبل تطوير العمل الجمعياتي، وتعزيز التنسيق بين مختلف المبادرات المدنية، في أجواء اتسمت بالشفافية، والانفتاح، وتبادل وجهات النظر بكل مسؤولية واحترام.

وقد عكس هذا التفاعل تنوّع الخلفيات الثقافية والجغرافية للمشاركين، وأكّد على أهمية الحوار كوسيلة أساسية لبناء التضامن بين الشعوب.

تكريم مستحق

وفي ختام اللقاء، تم تكريم الأستاذ علي المرعبي تقديرًا لمسيرته الإعلامية والثقافية، ولدوره البارز في الدفاع عن قضايا الأمة، ودعمه المستمر للعمل الجمعياتي والثقافي في المهجر.

واختُتم المنتدى بالتأكيد على مواصلة الجمعية تنظيم مثل هذه اللقاءات، التي تسهم في تعزيز دور المجتمع المدني، وترسيخ قيم التضامن الإنساني، والتأكيد على أن العمل الجمعياتي يبقى رافعة أساسية لبناء جسور التواصل بين الشعوب.

إعداد : رانيا أيوب

الشعر العربي في رحاب السوربون

حلقة دراسية في جامعة السوربون حول شعر شوقي عبد الأمير وترجمته

احتضنت جامعة السوربون، بالتعاون مع المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، يوم الاثنين 19 يناير، لقاءً فكريًا وثقافيًا خُصّص لبحث قضايا قراءة الشعر العربي المعاصر في الترجمة، وذلك في قاعة العرض التابعة للجامعة، ضمن حلقة دراسية مخصّصة لشعر الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير، أشرفت على تنظيمها الدكتورة بنديكت لوتليي، الباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي وأستاذة الأدب المقارن بجامعة السوربون.

وتندرج هذه الحلقة الدراسية ضمن إطار أكاديمي يُعنى بتجربة شوقي عبد الأمير الشعرية، وبكيفية قراءتها وتحليلها في سياق الترجمة إلى اللغة الفرنسية، مع فتح النقاش أمام أسئلة أوسع تتعلّق بتلقّي الشعر العربي المعاصر داخل الفضاء الجامعي والثقافي.


مشاركة الشاعر والنقاد

شارك في الحلقة الدراسية الشاعر شوقي عبد الأمير، المدير العام لمعهد العالم العربي في باريس، إلى جانب الناقد والأكاديمي كلود موشار، الأستاذ الفخري للأدب المقارن بجامعة باريس الثامنة، ضمن جلسة دراسية تمحورت حول التحليل النقدي والحوار الأكاديمي.


نقاش أكاديمي حول الترجمة والتلقّي

انطلقت الحلقة الدراسية بنقاش فكري تناول قضايا ترجمة الشعر العربي المعاصر، والتحوّلات التي تطرأ على القصيدة عند انتقالها من العربية إلى الفرنسية، إضافة إلى دور الترجمة في إعادة تشكيل أفق قراءة النصوص الشعرية داخل الجامعة. كما طُرحت أسئلة تتعلّق بالإيقاع والصورة والحمولة الثقافية، وما تفرضه الترجمة من اختيارات دقيقة تؤثّر في تلقّي القصيدة.


مكانة شوقي عبد الأمير في الشعر العربي المعاصر

يُعدّ شوقي عبد الأمير من الأصوات الشعرية البارزة في المشهد العربي المعاصر، وقد أسهمت تجربته الممتدة بين الشعر والترجمة والعمل الثقافي في بلورة كتابة تنفتح على أسئلة المنفى واللغة والذاكرة، بعيدًا عن البلاغة التقليدية أو الخطاب الشعاري. وتتميّز قصيدته بنبرة تأمّلية وصور كثيفة تجعل النص الشعري فضاءً للتجربة الوجودية، لا مجرّد تعبير عن حدث أو موقف. كما أن حضور أعماله مترجمة إلى لغات أخرى، ولا سيّما الفرنسية، أتاح إدراج تجربته ضمن حوار شعري عابر للحدود، وجعلها موضوعًا لاهتمام أكاديمي متواصل.


الشعر خارج القوالب الجاهزة

أتاحت الحلقة الدراسية قراءة شعر شوقي عبد الأمير خارج الصور النمطية التي كثيرًا ما تُلصق بالشعر العربي، سواء بوصفه تراثيًا أو سياسيًا صرفًا. وانفتح النقاش على تعدّد مستويات الكتابة الشعرية، وعلاقتها بالمنفى والهوية واللغة، ضمن مقاربة نقدية تستند إلى أدوات الأدب المقارن.


القراءة الشعرية في ختام اللقاء

في ختام الحلقة الدراسية، خُصّصت لحظة للقراءة الشعرية، قدّم خلالها شوقي عبد الأمير مقاطع من تجربته الشعرية، شملت نصوصًا عربية ونماذج مترجمة إلى الفرنسية. وجاءت هذه القراءة بوصفها تتويجًا للنقاش الأكاديمي، حيث أُتيح الإصغاء إلى القصيدة بعد تفكيك أسئلتها الجمالية والترجمية داخل الحوار النقدي.

واختُتم اللقاء في أجواء تفاعلية عكست الطابع الحيّ للحلقة الدراسية، وأكّدت أهمية إدماج الشعر العربي المعاصر في الفضاء الجامعي، والتعامل مع الترجمة باعتبارها ممارسة معرفية تُسهم في فتح آفاق جديدة أمام النصوص حين تعبر لغات وثقافات مختلفة.

مرآة على قوارب المعنى

هي كلمات لَخّصت أقصوصة من حياة .. و تسامت على الذوات .. كأنما أجهزت على الروايات
ما بعد الكلام سوى الصمت .. نجتر حسيسه في خبب الأعمار بعد العمار
.. و نبيل فعل .. كجنة ” فاقع لونها ” نبتت في قفار
.. هي مسيرة تداعت سنونها .. قبل الليل قد شهد النهار
أما آن لمصانع الذكريات أن تصغي قليلا
.. أن تشرئب جذلانة الى عُمر أزمع الركوب مجدَّدا أبدا
على جسر .. مطيته مداد

المقام الأوّل : سفينة .. متن العتاب

اختلجت فيَّ همسات القلب قالت
أدلجتُ أطلب مطايا العافية، إذا بمدينة حسبتها ذات العماد .. و قد انتمى ليلُها الى نهارها، لم تُقَس طُرقُها بخطى الأقدام، انما صيغت بخطى الانفاس و طعنات الأخبار
أهلها قيامٌ قعود كتلفّع الصمت في دهره، قلوبهم معلّقةٌ براحاتهم كأجراس جذلى، وفي الأكفّ مرآةٌ، إن أعلنت أطفأت ما حولها، وإن ماج بها السهاد انتكس أصحابها
فقلت
سبحان من أضفى على المعرفة أريجًا، فتأنسُ الناسُ بالنفائس
و مرآة حسناء زجّت بأقوام رهن رائحة رائجة .. هيام بلا سائس
نظروا المرآة تفرّست فيهم عوالمها
.. و أحْنت ظهور بصائرهم .. سهام حوارس
.. قد اختفوا “متراشدين ” أينهم ؟ .. أين الحِمى، جَنَّتْ فوارس ؟

المقام الثاني : عادَ الخوارزمي .. و لمّا عاد

لقيني شخصٌ لا يُدرى إنسٌ هو .. أم أنيس من ظلال
كأن وجهه صفحةٌ تُنحت ثم تحنث .. كلّ لحظة في امتثال
فقال : أنا قيّمُ المدينة حارس شذراتها، أُلقم الناسَ ما يهوون
وأحجب الضّجر أيّان يحتسون، فلا هم سألوا، بل سالوا كالعيون
قلتُ : و ما كان الثمن ؟
قال : بالوقت و .. بالانتباه بالْوَلَه … و بالأحلام الأولى عبثـتُ و شربتُ حساء النّوايا
قلت في نفسي : آه .. لعلْمٍ يُدمي تساؤلا .. و يفضي الى تجاوب كادَ .. فكاد يجيب
علَمُُ عابث كأقزام مستنفرة .. اذ لا لبيب

المقام الثالث : طبيب الانفاس

لقيتُ رجلًا يحمل وطنًا في صوته … و أنفاسا لا تقاس
قد احتمل الدنيا بطاقةً في جيبه … و قدّا بدا كمتراس
قال : عمّرت هنا .. منذ سنين شاب زمانها خفقانا
أشتاق دون أن ألثغ باكيا في صخب .. أهزم الدنيا بهزيم .. كفنه من غضب
و قد يتملكني الفرح أحيانا فأهفو .. بقلب يحضنهم جميعا .. عجما و عرب
قلت له : و ما تبتغي ؟
قال : أن أعيش لا أن أعتاش يُدارُ بي .. فقد «دار الزمان دورته» ما بلغ بعد ذروته
و أن أُفهَم لا أن أُوصف و أصنَّف .. كلما زفرت مصانع الريح
.. فما عرفنا ما غرقنا أو نعرف
علمتُ ذينك أن الغربة زمكان
.. و جسر يعبُرنا قبل أن تُشيّده الموازين

المقام الرابع : أغوار .. يقبّلها ضياء

فلمّا تناغمت الاوتار في صدري
انتزعتُ تاج سلطان المرآة .. لا زجاجها .. وأطفأتُ بعض الضوء لأعاين الانوار
سكتُّ قليلًا لأصغي
.. هي العافية تُجادل عن نفسها
لستُ من تُنثر كحَب للدجاج .. و لا زخما متماسكا، عظيم الحجاج
ومتى تُصغي .. يا حبيبا
إلى البدن و ما ارتهن .. قبل أن ينطق و ينعتق الى انطلاق
و الى الحكمة شاخت .. مفتولة الرموز و القسمات
كأني أسمعك تقول يا فتى
أعرف متى استشراف .. أين أمضي .. متى أمسك .. و أوان الطواف
ألا فراسة تبسط أريجها و تعلو .. كي يعانقها ضياء
و ليست بظاهر البيان تُفضي كلومنا
بباب على أقفاله يشهد الوفاء
و أن الأراضين مهاد بما أقلّت .. سماء قد عَلتْها السماء
و أني الصمصام دوما، لا أبا لي سواه فألقاه
.. به علوتُ و العلوّ ما أقساه
.. دمدمت تيك الشفاه

و مال الزمن اذ ذاك على عتبة عزفت الغياب ..

استدار عنها و قال
بين وصفات الطبيب و اكتتاب المعنى قياس و احساس
.. و للروح عثرات و سموّ مبين
ألا عافية أقسمَت
لَتُحسننّ السكنى في نفسك … خير من سياحة العوالم
كم لحظة حُبّ نفيس بالاغوار .. عادلت مئات الاعوام
.. و كم معمّر أتت عليه السنون .. كأسد جامد الأوصال في عرين
رَيْنَ و رَوْا
من تدفّقت منه النوايا متلألئات .. فأثمرت
كأبراج مسافرة حصونها .. قد جاء ميعادها .. فأشرفت
و كم ابتسامة أشرقت .. خلال الودق نجماتُها
غضّة الطيب و جهارا .. متوردة الأوداج نسماتها
.. قد أقامت .. فأحَلّت
.. أبراج الخواطر و البشائر جبين الأبد

أ. نسيم صخري

كانب وباحث ومترجم

الساعة الإلكترونية الذكية: التكنولوجيا الحديثة ودورها بأمراض القلب

لم تعد الساعة الإلكترونية الذكية في رأيي كطبيب بأمراض القلب مجرد أداة رفاهية أو جهازًا لمتابعة النشاط البدني، بل أصبحت في كثير من الحالات مساعدًا طبيًا يرافق المريض في حياته اليومية، ويرصد ما لا نستطيع أحيانًا رصده داخل المستشفى أو العيادة.

كثير من المرضى المراجعين يتحدثون عن نوبات من خفقان القلب أو تسرع القلب، ولكن عندما يكونون بالإسعاف أو بالعيادة تكون ضربات القلب منتظمة، وهو ما يضطرنا لوضع جهاز لمراقبة ضربات القلب لمدة 24 ساعة وأحيانًا لأيام للوصول إلى تشخيص الحالة. وفي حالات أخرى لا نستطيع تسجيل التسرع أو الخفقان، فنضطر لزرع جهاز لمدة سنتين حتى ترصد اضطراب النظم. مع وجود الساعة الإلكترونية التي تستطيع تسجيل نظم القلب، وبعضها يقوم بقياس الضغط الشرياني، صارت تساعدنا كثيرًا في الوصول إلى التشخيص والعلاج.

في السنوات الأخيرة، بدأ عدد متزايد من المرضى، بل وحتى الأصدقاء، يُظهرون لي تسجيلات لنظم القلب أو قراءات متكررة للضغط الشرياني المُسجلة عبر ساعاتهم الذكية. هذه الظاهرة، التي قد تبدو بسيطة، تعكس تحوّلاً عميقًا في العلاقة بين الطب والتكنولوجيا، وبين الطبيب والمريض.

ما يميز الساعة الإلكترونية الذكية هو دورها في متابعة اضطرابات نظم القلب، خصوصًا تلك النوبية التي تظهر فجأة وتختفي قبل الوصول إلى الطبيب. إمكانية تسجيل تخطيط قلب مُبسط لحظة الشعور بالخفقان أو عدم الانتظام منحت المرضى فرصة ثمينة لتوثيق ما كانوا سابقًا يصفونه بالكلمات فقط.

في ممارستي اليومية، رأيت كيف ساهمت هذه التسجيلات في:

  • كشف رجفان أذيني غير مشخص سابقًا.
  • توثيق خفقان متقطع كان يفلت من تخطيط العيادة.
  • دعم القرار الطبي بطلب استقصاءات أعمق.
  • تعديل العلاج عندما لا يكون فعّالًا في السيطرة على تسرع القلب أو اضطراب النظم.

أنا لا أعتبر هذه الساعات أداة تشخيص نهائية، لكنها بلا شك أصبحت جرس إنذار مبكر لا يمكن تجاهله.

الضغط الشرياني: المتابعة المستمرة بدل القياس العابر

أما فيما يخص ارتفاع الضغط الشرياني، فإن مساهمة الساعات الإلكترونية تكمن – من وجهة نظري – في المتابعة المستمرة أكثر من دقة الرقم بحد ذاته.

القياسات المتكررة، حتى وإن لم تكن مثالية، تكشف نمطًا، تتبُّعًا، ارتفاعًا صباحيًا، أو قراءات تبدو طبيعية في العيادة لكنها مرتفعة في الحياة اليومية. هذا الوعي المتنامي يُشجِّع المرضى على الالتزام بالعلاج ويدفعهم إلى تعديل نمط الحياة، ويجعلهم شركاء فعليين في ضبط مرضهم.

في المقابل، لا بد من التحذير من الإفراط في الاعتماد على هذه الأجهزة أو تفسير بياناتها بعيدًا عن التقييم الطبي. فالساعة الإلكترونية لا تغني عن الطبيب، ولا عن الفحص السريري، ولا عن الأجهزة الطبية المعتمدة، لكنها أداة مساعدة، قيمتها الحقيقية تظهر حين تُستخدم بعقلانية وتحت إشراف طبي.

أرى أن الساعة الإلكترونية تمثل خطوة مهمة نحو طب أكثر قربًا من حياة الناس اليومية. هي ليست بديلًا عن الطبيب، لكنها أصبحت امتدادًا رقميًا للمتابعة الطبية، تساعد على التشخيص المبكر، وتعطي المريض دورًا أكثر وعيًا ومسؤولية. ومع تطور هذه التكنولوجيا، فإن التحدي الأساسي هو تحقيق التوازن بين الاستفادة منها، وعدم الوقوع في فخ القلق أو التشخيص الذاتي. هنا، تحديدًا، يظل دور الطبيب محوريًا… كمرشد، ومفسر، وصاحب القرار الأخير.

د. أحمد إبراهيم
اختصاصي أمراض القلب والأوعية

المطبخ السعودي في باريس: الطعام بوصفه ممارسة ثقافية عابرة للحدود

في مدينة مثل باريس، حيث تتجاور المطابخ والهويات وتُختبر الثقافات يوميًا، يشكّل افتتاح مطعم سعودي حدثًا يتجاوز فكرة الطعام ليصل إلى مساحة أوسع من التعبير الثقافي.

من هذا السياق، يأتي مطعم Sadu كإضافة مختلفة إلى المشهد الباريسي، لا باعتباره مشروعًا تجاريًا فحسب، بل كتجربة تحمل في تفاصيلها رؤية ثقافية واضحة للهوية السعودية.

يحمل الاسم دلالته منذ الوهلة الأولى؛ فالسدو حرفة تقليدية ارتبطت بالبيئة السعودية، وبالحياة اليومية، وبالعمل اليدوي القائم على الصبر والدقة وتحويل المادة إلى معنى. غير أن حضور السدو في تجربة المطعم لا يقتصر على الاسم أو الرمز، بل يمتد ليشكّل جزءًا من الفضاء المادي نفسه.

في Sadu، تتحول الحرفة إلى ممارسة حيّة. فالأقمشة والمفروشات والقطع النسيجية المصنوعة يدويًا من السدو تشكّل عناصر استخدام يومي داخل المكان، لا معروضات منفصلة عن الحياة. هذا الحضور الملموس يحوّل المطعم إلى فضاء تُعاش فيه الذاكرة، حيث تتداخل الوظيفة مع الجمال، والحرفة مع الممارسة المعاصرة، في انسجام هادئ مع روح المدينة الباريسية.

أما المطبخ، فيُقدَّم بوصفه امتدادًا لهذه الرؤية. فالمطبخ السعودي هنا لا يُعرض كتراث جامد أو مادة فولكلورية، بل كهوية حيّة قادرة على الحوار والتجدد. الأطباق تستلهم وصفات متجذّرة في الذاكرة المحلية، لكنها تُعاد صياغتها بأسلوب معاصر يحترم الذائقة العالمية دون أن يفقد صلته بالأصل.

اختيار باريس لاحتضان هذا المشروع يمنحه بعدًا إضافيًا. فالمدينة، بتاريخها الطويل في استقبال التجارب الثقافية المختلفة، توفّر فضاءً يسمح للهوية القادمة من الجزيرة العربية بأن تُقدَّم بثقة وهدوء. في هذا السياق، يصبح المطعم نقطة التقاء بين ثقافتين، حيث لا تطغى إحداهما على الأخرى، بل تتحاوران عبر الطعام والمكان والتجربة.

يقف خلف Sadu شغف واضح بتقديم صورة إنسانية ويومية عن الثقافة السعودية، صورة ترى في الضيافة ممارسة ثقافية قائمة على الترحيب والاهتمام بالتفاصيل. فريق العمل لا يقدّم خدمة طعام فقط، بل يساهم في بناء تجربة تواصلية تعيد تعريف العلاقة بين المطبخ والهوية في فضاء حضري عالمي.

في المحصلة، يقدّم Sadu نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه المشاريع الثقافية حين تُبنى على فهم عميق للهوية. هنا، لا يكون المطعم غاية في حد ذاته، بل وسيلة للسرد، ومساحة للحوار، وتجربة تُظهر كيف يمكن للطعام والحرفة والمكان أن تشكّل معًا ممارسة ثقافية عابرة للحدود.

إعداد رانيا أيوب