الثقافة و المعرفةالصحة و العافية

الساعة الإلكترونية الذكية: التكنولوجيا الحديثة ودورها بأمراض القلب

لم تعد الساعة الإلكترونية الذكية في رأيي كطبيب بأمراض القلب مجرد أداة رفاهية أو جهازًا لمتابعة النشاط البدني، بل أصبحت في كثير من الحالات مساعدًا طبيًا يرافق المريض في حياته اليومية، ويرصد ما لا نستطيع أحيانًا رصده داخل المستشفى أو العيادة.

كثير من المرضى المراجعين يتحدثون عن نوبات من خفقان القلب أو تسرع القلب، ولكن عندما يكونون بالإسعاف أو بالعيادة تكون ضربات القلب منتظمة، وهو ما يضطرنا لوضع جهاز لمراقبة ضربات القلب لمدة 24 ساعة وأحيانًا لأيام للوصول إلى تشخيص الحالة. وفي حالات أخرى لا نستطيع تسجيل التسرع أو الخفقان، فنضطر لزرع جهاز لمدة سنتين حتى ترصد اضطراب النظم. مع وجود الساعة الإلكترونية التي تستطيع تسجيل نظم القلب، وبعضها يقوم بقياس الضغط الشرياني، صارت تساعدنا كثيرًا في الوصول إلى التشخيص والعلاج.

في السنوات الأخيرة، بدأ عدد متزايد من المرضى، بل وحتى الأصدقاء، يُظهرون لي تسجيلات لنظم القلب أو قراءات متكررة للضغط الشرياني المُسجلة عبر ساعاتهم الذكية. هذه الظاهرة، التي قد تبدو بسيطة، تعكس تحوّلاً عميقًا في العلاقة بين الطب والتكنولوجيا، وبين الطبيب والمريض.

ما يميز الساعة الإلكترونية الذكية هو دورها في متابعة اضطرابات نظم القلب، خصوصًا تلك النوبية التي تظهر فجأة وتختفي قبل الوصول إلى الطبيب. إمكانية تسجيل تخطيط قلب مُبسط لحظة الشعور بالخفقان أو عدم الانتظام منحت المرضى فرصة ثمينة لتوثيق ما كانوا سابقًا يصفونه بالكلمات فقط.

في ممارستي اليومية، رأيت كيف ساهمت هذه التسجيلات في:

  • كشف رجفان أذيني غير مشخص سابقًا.
  • توثيق خفقان متقطع كان يفلت من تخطيط العيادة.
  • دعم القرار الطبي بطلب استقصاءات أعمق.
  • تعديل العلاج عندما لا يكون فعّالًا في السيطرة على تسرع القلب أو اضطراب النظم.

أنا لا أعتبر هذه الساعات أداة تشخيص نهائية، لكنها بلا شك أصبحت جرس إنذار مبكر لا يمكن تجاهله.

الضغط الشرياني: المتابعة المستمرة بدل القياس العابر

أما فيما يخص ارتفاع الضغط الشرياني، فإن مساهمة الساعات الإلكترونية تكمن – من وجهة نظري – في المتابعة المستمرة أكثر من دقة الرقم بحد ذاته.

القياسات المتكررة، حتى وإن لم تكن مثالية، تكشف نمطًا، تتبُّعًا، ارتفاعًا صباحيًا، أو قراءات تبدو طبيعية في العيادة لكنها مرتفعة في الحياة اليومية. هذا الوعي المتنامي يُشجِّع المرضى على الالتزام بالعلاج ويدفعهم إلى تعديل نمط الحياة، ويجعلهم شركاء فعليين في ضبط مرضهم.

في المقابل، لا بد من التحذير من الإفراط في الاعتماد على هذه الأجهزة أو تفسير بياناتها بعيدًا عن التقييم الطبي. فالساعة الإلكترونية لا تغني عن الطبيب، ولا عن الفحص السريري، ولا عن الأجهزة الطبية المعتمدة، لكنها أداة مساعدة، قيمتها الحقيقية تظهر حين تُستخدم بعقلانية وتحت إشراف طبي.

أرى أن الساعة الإلكترونية تمثل خطوة مهمة نحو طب أكثر قربًا من حياة الناس اليومية. هي ليست بديلًا عن الطبيب، لكنها أصبحت امتدادًا رقميًا للمتابعة الطبية، تساعد على التشخيص المبكر، وتعطي المريض دورًا أكثر وعيًا ومسؤولية. ومع تطور هذه التكنولوجيا، فإن التحدي الأساسي هو تحقيق التوازن بين الاستفادة منها، وعدم الوقوع في فخ القلق أو التشخيص الذاتي. هنا، تحديدًا، يظل دور الطبيب محوريًا… كمرشد، ومفسر، وصاحب القرار الأخير.

د. أحمد إبراهيم
اختصاصي أمراض القلب والأوعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق