القلب… ما بين ما نشعر به وما لا نراه

الجلطة القلبية: قصة عضو صامت لا يمنح إنذارًا ثانيًا
منذ بدايات الفن، كان القلب مركز الحكاية. في القصائد هو موضع الحب، وفي الروايات مستودع الفقد، وفي الأغاني شاهد الشوق والخجلان.
نضع أيدينا على صدورنا ونقول: قلبي تألم، قلبي لم يحتمل، وكان هذا العضو الصغير هو من يكتب مشاعرنا ويصوغ انكساراتنا.
لكن الطب يروي قصة أخرى، أقل شاعرية ولكنها أكثر صدقاً. فالقلب، في حقيقته، عضلة صامتة، لا تعرف الحب ولا الكراهية، لكنها تتحمل عبء الحياة كاملة، وتعمل دون توقف منذ اللحظة الأولى لولادتنا وحتى آخر نبضة.
فالمشاعر تولد في الدماغ، أما القلب فيدفع ثمنها.
القلب كما هو… لا كما نتصوره
القلب عضو عضلي بحجم قبضة اليد تقريبًا، يضخ الدم ليلاً نهارًا، في اليقظة والنوم، في الفرح والحزن، دون أن يطلب استراحة أو شكرًا.
والحقيقة التي قد تبدو صادمة للبعض: القلب، رغم امتلائه بالدم، لا يتغذى من داخله. فهو يحتاج، مثل أي عضو آخر، إلى مصدر خارجي للأكسجين والغذاء. وهنا تظهر أهمية الشرايين التاجية (أو التاجية)، التي سُميت بهذا الاسم لأنها تُلَف حول القلب مثل التاج، تحيط به، وتغذي عضلته بالحياة.
تاج الحياة: شبكة دقيقة لا تحتمل الخطأ
يتغذى القلب عبر ثلاثة شرايين تاجية رئيسية، تتفرع منها شبكة دقيقة من الشرايين الأصغر. كل شريان مسؤول عن تغذية جزء محدد من عضلة القلب. وكل فرع يغذي خلايا بعينها.
يشبه الأمر مدينة تعتمد على شبكة مياه معقدة: قد تبقى المدينة قائمة إذا تعطلت قناة واحدة، لكن الحي الذي حُرِم من الماء يبدأ بالذبول… ثم الموت.
ماذا تعني الجلطة القلبية؟
الجلطة القلبية لا تحدث فجأة كما نعتقد، بل هي نتيجة انسداد أحد الشرايين التاجية، أو أحد فروعها، غالبًا بسبب ترسبات متشابكة بين الدهون والصفيحات ومواد النيكوتين وعوامل تكاثر الخلايا. هذه الترسبات تتراكم بصمت عبر سنوات، لتعمل على تضييق لمعة الشريان، وعند حدوث الانسداد يتقطع الدم عن جزء من عضلة القلب. فيعاني هذا الجزء من نقص تروية، أي نقص في الأكسجين، فتبدأ الخلايا بالاختلال.
وإذا لم يُفتح الشريان المصاب في الوقت المناسب فإن الخلايا تبدأ بالموت واحدة تلو الأخرى. بعد ست إلى اثنتي عشرة ساعة يصبح التلف دائمًا ولا يمكن إصلاحه. وهنا تكون أمام جلطة قلبية حقيقية. الجلطة ليست مجرد ألم، بل صراع صامت بين الزمن والعضلة.
كيف يتكلم القلب حين يختنق؟
القلب لا يصرخ، لكنه يرسل إشارات واضحة… لمن يعرف كيف يقرأها.
أكثر الأعراض شيوعًا:
- ألم أو ضغط شديد في منتصف الصدر، يوصف غالبًا كأن حجرًا ثقيلًا وضع فوقه.
- امتداد الألم إلى الذراع الأيسر، أو الكتف، أو الرقبة، أو الفك، أو الظهر.
- ضيق في التنفس، حتى دون مجهود.
- تعرّق بارد مفاجئ.
- غثيان أو قيء.
- دوخة أو تعب شديد غير معتاد (خاصة عند النساء حيث تكون الأعراض أقل وضوحًا).
وفي بعض الحالات — خصوصًا لدى النساء، وكبار السن، ومرضى السكري — قد تكون الأعراض خادعة أو خفيفة: تعب غير مبرر، ضيق نفس، أو شعور بالقلق فقط. وهذا ما يجعل الجلطة أكثر خطورة، لأن المريض في هذه الحالة قد يتأخر في طلب المساعدة الطبية.
متى نطلب المساعدة الطبية؟
الإجابة البسيط: فورًا، ودون تردد.
يجب طلب الإسعاف فورًا عند:
- أي ألم صدري جديد، شديد، أو غير معتاد.
- ألم يستمر أكثر من بضع دقائق أو يعود مرارًا.
- ألم صدري يرافقه ضيق نفس، تعرّق، غثيان أو دوخة.
- شعور مفاجئ بأن “شيئًا ليس طبيعيًا”.
لا ننتظر أن يزداد الألم.
ولا ننتظر أن “يرتاح قليلًا”.
ولا نقود السيارة بأنفسنا إلى المستشفى.
لأن هناك وقتًا ذهبيًا: إذا فتح الشريان المسدود خلاله — بالقسطرة أو العلاج المناسب — يمكن إنقاذ عضلة القلب وتجنّب العجز القلبي، وإنقاذ الحياة. كل دقيقة تأخير تعني خلايا تموت، وخلايا عضلة القلب حين تموت لا تُعوّض.
الجلطة لا تأتي وحدها
في الغالب، تسبق الجلطة سنوات من عوامل الخطر القلبية المزمنة: هناك عوامل الخطر الكبرى مثل التدخين، ارتفاع ضغط الدم، السكري، ارتفاع الكوليسترول، السمنة، قلة الحركة، والتوتر المزمن.
هذه العوامل لا تُشعرنا بالخطر يوماً بعد يوم، لكنها تبني الجلطة تدريجيًا.
قد تسبق الجلطة أعراض تسمى بالذبحة الصدرية أو نقص التروية القلبية. وهنا يكون التضيق في جدار الشريان قد وصل لمرحلة متقدمة. فعند الراحة لا توجد أعراض، ولكن بمجرد القيام بجهد تظهر أعراض قد تشكل جرس إنذار وتدفع المريض لمراجعة الطبيب، مثل الألم على الجهد ويختفي بمجرد التوقف عن الجهد، وممكن الشعور بضيق النفس عند الجهد أو الدوخة.
كلمة أخيرة: حين يطمئن القلب يعني الوقت
القلب ليس مجرد عضو يعمل داخل صدورنا، ولا مجرد صورة معلقة في كتب الطب أو رسومات التشريح.
القلب هو الساعة الخفية للحياة، يمثل الزمن بنبضات لا نسمعها إلا حين يختلف الإيقاع. نعيش معظم أعمارنا دون أن نلتفت إليه. نستنزقه بالتدخين، نرهقه بالسكر، نتعبه بالعادات السيئة، ثم نطلبه بأن يبقى قويًا صامتًا ووفيًا.
وحين يرسل أول إنذار، نميل إلى الإجابة بأول عذر: ليس الآن.
لكن القلب لا يعرف المجاملة ولا يمنح فرصًا كثيرة.
عنده، الوقت ليس مفهومًا فلسفيًا، بل خلايا حيّة تموت أو تعيش.
كل دقيقة تأخير ليست رقمًا على ساعة، بل فقدان جزء من القدرة على الحب، على الحلم، على الاستمرار.
والجلطة القلبية ليست لحظة سقوط مفاجئ فقط، بل نتيجة سنوات من تجاهل الإشارات الصغيرة، سنوات طالما فيها أن الصحة أمرٌ مُسَلَّم به.
وأن طلب المساعدة في الوقت المناسب ليس ضعفًا، ولا مبالغة، ولا خوفًا زائدًا. إنه فعل وعي، واعتراف بأن الحياة هشّة، وبأن إنقاذ نبضة واحدة قد يعني إنقاذ مستقبل كامل.
لذلك، حين يتكلم القلب، ولو همسًا، توقف. استمع. وتحرّك.
فالقلب لا يطلب الكثير، بل يطلب فقط أن نأخذه على محمل الجد.
قبل أن يصبح الصمت نهائيًا.
الدكتور أحمد إبراهيم




