باريس : الكوتور يتجاوز الموضة إلى خطاب حضاري

تغطية نقدية معمّقة لأسبوع الأزياء الراقية – ربيع وصيف 2026
في قلب باريس، وعلى امتداد أيام حافلة بالإبداع، جاء أسبوع الأزياء الراقية ليؤكد أن الكوتور لم يعد مجرد صناعة للملابس الفاخرة، بل مساحة ثقافية يلتقي فيها الفن بالحرفة، والجسد بالفكرة، والصورة بالذاكرة.
وشهد الأسبوع مشاركة لافتة لعدد من أبرز دور الأزياء والمصممين العالميين والعرب، حيث افتتحت دار سكياباريلي العروض برؤية فنية جريئة، تلتها ديور التي قدمت قراءة معاصرة لتراثها الراقي، فيما برزت لمسة الحرفية الدقيقة لدى راهول ميشرا. وفي منتصف الأسبوع، تصدّرت شانيل وأرماني بريفيه وفالنتينو المشهد بعروض جسدت تنوع مدارس الكوتور بين الكلاسيكية والتجريب، بينما واصلت فيكتور آند رولف تقديم طرحها المفاهيمي المميز. كما سجّل المصمم اللبناني زهير مراد حضورًا لافتًا بتصاميمه الفاخرة ذات الطابع الدرامي، إلى جانب روبير وون الذي استلهم قوى الطبيعة في مجموعته، وروبير أبي نادر الذي حظي باهتمام واسع عبر التغطيات البصرية. وفي الأيام الختامية، برزت أسماء من جيل المصممين الضيوف مثل آشي ستوديو ورامي العلي وميس سوهي وجيرمانيه، مقدمين رؤى تعكس مستقبل الأزياء الراقية وتنوع اتجاهاتها


اتسم الموسم بوضوح اتجاه نحو الخفة والانسيابية، حيث حضرت الأقمشة الشفافة والطبقات المتحركة بوصفها عناصر تصميم أساسية تعكس رغبة المصممين في منح القطعة حياة على المنصة وخارجها.
في يوم الافتتاح، برزت عروض حملت طابعًا مفاهيميًا واضحًا، إذ لم تعد المنصة مجرد ممر لعرض الملابس، بل تحولت إلى مسرح بصري متكامل تتداخل فيه الإضاءة والموسيقى والحركة لتشكيل تجربة حسية شاملة.

قدمت دور عريقة رؤى جديدة تعيد قراءة تراثها دون أن تتخلى عن جذورها، فظهرت التصاميم أكثر قربًا من الجسد، وأكثر انسجامًا مع إيقاع الحياة المعاصرة، مع الحفاظ على البنية الحرفية الدقيقة التي تميز الأزياء الراقية.
شهد منتصف الأسبوع ذروة التفاعل، حيث تحولت بعض العروض إلى أحداث بصرية كاملة، انتشرت صورها بسرعة عبر المنصات الرقمية، لتؤكد أن الكوتور بات يعيش اليوم في الفضاء الإلكتروني بقدر ما يعيش على أرض المنصة.
برز حضور لافت لمصممين من العالم العربي، الذين قدموا أعمالًا تمزج بين التراث البصري الشرقي والتقنيات الحديثة، في صياغات فنية جعلت من القطعة نصًا بصريًا قابلًا للتأويل الثقافي.
في الأيام الختامية، قدم مصممون ضيوف رؤى شابة ومختلفة، عكست مستقبل الكوتور بوصفه مساحة مفتوحة للتجريب، حيث تتجاور الجرأة مع الحرفية، والبساطة مع العمق المفاهيمي.
أصبح واضحًا أن الصورة لم تعد وسيلة توثيق فقط، بل أداة إنتاج للمعنى، إذ تمنح كل تصميم حياة إضافية خارج لحظة العرض، وتحوّله إلى مرجع بصري متداول في الثقافة المعاصرة.
هكذا بدا أسبوع باريس للأزياء الراقية هذا الموسم: حوارًا حيًا بين الماضي والمستقبل، بين اليد والعين، وبين الحلم وإمكانية تحقيقه في تفاصيل ملموسة.
إعداد : رانيا أيوب


