باريس في أعياد الميلاد ورأس السنة 2026

مدينة الضوء… حين تحتفل بهدوء أكثر وصدق أعمق
في مساء شتوي بارد، وأنا أعبر أحد شوارع باريس المضاءة بزينة الميلاد، شعرت أن المدينة لا تحتفل بالطريقة التي
اعتَدناها في الصور. الأضواء حاضرة، نعم، لكنها أقل بهرجة، أكثر رصانة، كأنها لا تحاول إقناع أحد بشيء. باريس في العيد لا تصرخ فرحًا، بل تهمس به. أعياد 2026
هذا العام، بدا لي أن العيد في باريس ليس حدثًا استثنائيًا، بل امتدادًا لحياة يومية تحاول أن تحافظ على توازنها. واجهات
المتاجر أنيقة كعادتها، لكن حركة الشراء أكثر هدوءًا. الناس يتوقفون طويلًا أمام النوافذ، يبتسمون، ثم يمضون. كان
الاكتفاء بالمشاهدة صار جزءًا من الاحتفال.
وأنا أجلس في مقهى صغير، أراقب الوجوه، لاحظت أن الحديث عن العيد لا ينفصل عن الحديث عن الحياة نفسها. لا أحد
ينكر ثقل المعيشة، ولا تقلبات السنوات الأخيرة، لكن أحدًا لا يتخلى عن طقوسه. الاحتفال هنا ليس إنكارًا للواقع، بل
طريقة فرنسية قديمة للمهادنة: ترفيه دون حرمان، أناقة دون إسراف، ودفء يُصنع من التفاصيل لا من الوفرة.
اجتماعيًا، تبدو باريس في هذه الأعياد مدينة تميل إلى الداخل. العائلات تجتمع أكثر في البيوت، والأصدقاء يختارون
مقاهيهم بعناية، لا بحثًا عن الضجيج، بل عن حديث طويل لا يقطعه شيء. العيد، كما شعرت به، صار مناسبة لإعادة
ترتيب العلاقات، لا لاستعراضها.
السياح والسكان المحليون: عيدان في مدينة واحدة
في الشوارع السياحية، المشهد مختلف قليلاً. السياح يحملون دهشتهم المعتادة، يلتقطون الصور، يلاحقون الأضواء كما لو
أنها وعد كامل بالفرح. بالنسبة لهم، باريس في العيد لحظة مكثفة، قصيرة، ومتألقة.
أما السكان المحليون، فيتحركون بهدوء من يعرف المدينة جيدًا. لا يطاردون الاحتفال، بل يتركونه يمرّ بجانبهم. يعيشون
العيد كحالة داخلية أكثر منه مشهدًا خارجيًا. هنا، يتعايش عيدان في المكان نفسه: عيد يُستهلك، وآخر يُعاش.
اقتصاديًا، لا يمكن تجاهل الحذر الذي يطبع هذه الفترة. الإنفاق محسوب، والاختيارات أكثر وعيًا. ومع ذلك، لا يسود
التشاؤم. ثمة قدرة واضحة على التكيّف، على تحويل القليل إلى كافٍ، والكافي إلى جميل. باريس لا تبدو مدينة مثقلة، بل
مدينة تعلمت كيف تخفف حملها دون أن تفقد وقارها.
في ليلة رأس السنة، حين يقترب العد التنازلي، لا ينتظر الناس معجزة. لا يبحثون عن قطيعة حادة مع ما مضى، بل عن
بداية أكثر هدوءًا، أقل وعودًا، وأكثر صدقًا. باريس، في تلك اللحظة، لا تعد بشيء كبير، لكنها تذكر بأن الاستمرار بحد
ذاته شكل من أشكال الأمل.
هكذا بدت لي باريس في أعياد 2026، مدينة تعرف أن الضوء لا يُلغي الظل، وأن الفرح لا يحتاج دائمًا إلى ضجيج.
مدينة تحتفل، نعم، لكنها تفعل ذلك بطريقتها الخاصة… بيقين، وبمسافة، وبقلب ما زال مفتوحًا على الحياة.




