الحياة اليوميةمقالات رأي
أخر الأخبار

بين الدعاء والمطبخ ومدينة من نور

سيرة إيمان الحميدي… امرأة سعودية تعيش بقلبين: قلب في الذكرى وقلب في الجمال

في أحد مقاهي باريس الهادئة، حيث تختلط رائحة القهوة بصوت المارة وأناقة العابرين، كان لقائي بالسيدة إيمان الحميدي. حديثها يشبهها تمامًا: دافئ، عميق، ومليء بتفاصيل صغيرة تحمل معاني كبيرة. بين الدعاء الذي شكّل نقطة تحول في حياتها، والمطبخ الذي يحمل ذكرى والدتها، ومدينة تحبها كما تحب وطنها، تمتد حكاية امرأة صنعت من التجارب كتبًا… ومن الذكريات أثرًا.

حين أصبح الدعاء نجاة

لم تبدأ فكرة كتاب الأدعية من رغبة في التأليف، بل من لحظة خوف إنساني عميق عاشتها مع والدها.

تتذكر إيمان الحميدي تلك الفترة التي خضع فيها والدها لعملية قلب دقيقة. كان القلق يملأ قلبها، ولم يكن بيدها سوى الدعاء. تقول إنها لم تنقطع عن الدعاء في تلك الأيام، تردده بإلحاح وأمل، وتعلّق قلبها برجاء واحد: أن يخرج والدها سالمًا.

وعندما تحسّنت حالته بعد العملية، شعرت بيقين داخلي أن الدعاء الذي لازمها في تلك الفترة لم يكن مجرد كلمات، بل كان سببًا في طمأنينتها وقوة صبرها. من هنا بدأت علاقتها تتعمق أكثر مع الأدعية، ليس كعادة يومية فقط، بل كرفيق حقيقي في لحظات الضعف.

تحوّل هذا الشعور لاحقًا إلى فكرة كتاب. بدأت تجمع الأدعية التي كانت ترددها، ثم استعانت بعدد من المراجع الموثوقة، وساعدتها أختها منى في البحث والتوثيق والترتيب، حتى خرج الكتاب بصورة منظمة قريبة من الناس.

وبعد وفاة والدها، اكتسب المشروع بُعدًا أعمق. قررت أن يكون الكتاب هدية لروحه، عملاً يبقى أثره مستمرًا، وكل دعاء يُقرأ منه يكون نورًا يصل إليه. ومنذ ذلك الوقت، وهي وإخوتها يحرصون على إعادة طباعة الكتاب سنويًا، كأنهم يجددون البرّ به في كل عام.

ولم يبق أثر الكتاب داخل العائلة فقط؛ ففي مواسم الحج، كانت تُهدى نسخ منه لتوزع على الحجاج عبر مبادرات خيرية، فتحمل الصفحات دعوات من قلوب لا تعرفها… لكنها تشترك معها في الرجاء. أكثر ما تؤمن به إيمان الحميدي أن الدعاء يغيّر الإنسان من الداخل أولًا، يزرع الطمأنينة، ويقرّب العبد من ربه، قبل أن تتبدل الظروف من حوله.

المطبخ… حيث تسكن الأم

كما كان كتاب الأدعية وفاءً للأب، جاء كتاب الوصفات وفاءً للأم.

تتحدث إيمان الحميدي عن والدتها بحب كبير، تصفها كسيدة مجتمع ناجحة، وفي الوقت نفسه سيدة منزل استثنائية، كان بيتها مفتوحًا وموائدها عامرة. لم تكن تطبخ لتُشبع فقط، بل لتجمع القلوب.مع أختها منى، قررت أن تحفظ وصفات والدتهما في كتاب، طبخات ستّو ،التي صنعت ذكريات العائلة. استغرقت الرحلة ثلاث سنوات كاملة من التجربة والقياس والتدوين الدقيق، لأنهما أرادتا كتابًا سهل التطبيق، واضح المقادير، يساعد ربات البيوت — وحتى المبتدئات — على النجاح من أول مرة

تبتسم وهي تعترف بندم خفيف لأنها لم تتعلم من والدتها كل ما كانت تقوم به. لكنها تتذكر جيدًا أول طبق أتقنته في بدايات زواجها: البامية باللحم، لأنها كانت من الأكلات التي يحبها زوجها. كانت تلك الطبخة محاولة لصنع بيت يشبه بيت أمها، ونقل دفء قديم إلى حياة جديدة.

وفي حديثها عن الماضي، تؤكد أن فكرة الوجبات الجاهزة لم تكن واردة في بيتهم. كل شيء كان يُعد في المنزل، من الأطباق الرئيسية إلى الحلويات، لأن والدتها كانت تؤمن أن الطعام المصنوع في البيت يحمل بركة خاصة.

ومن بين الحلويات، تظل “الكنافة الكذابة” نجمة الذكريات. كانت والدتها تتفنن في إعدادها، وتقدّمها بعد الغداء كلما اجتمع الأبناء والأحفاد. لم تكن مجرد حلوى، بل طقس حب عائلي ينتظره الجميع، تختصر فيه الأم فرحتها بوجودهم. واليوم، حين دوّنت إيمان الحميدي هذه الوصفة، كانت تحفظ معها ضحكات قديمة ومائدة لا تزال دافئة بالحنين .

باريس… مدينة تسكن القلب

باريس ليست محطة سفر في حياة إيمان الحميدي، بل فصل ثابت من فصول ذاكرتها. تحب الجلوس في مقاهي الشانزليزيه، تراقب المارة وكأنها تشاهد عرض أزياء مفتوحًا. أناقة الناس واهتمامهم بتفاصيل مظهرهم تجعلها ترى الجمال في الحياة اليومية: في طريقة المشي، في تنسيق الألوان، وفي حضور الإنسان لنفسه.

تحب باريس لأنها مدينة النور، ومدينة الذكريات أيضًا. فقد زارتها مرارًا مع والديها، وما زالت تتذكر التجول معهما في أسواق التحف والقطع القديمة، حيث كانت تشعر أن لكل غرض حكاية، ولكل زاوية زمنًا مضى. ربما لهذا السبب تميل إلى الأماكن التي تحمل روح الماضي، سواء في الأثاث أو الشوارع القديمة.

ومع مرور السنوات، كبر هذا الحب حتى اشترت منزلًا في باريس، وأصبحت تتردد عليها باستمرار. تقول إن وجودها هناك يمنحها شعورًا بالتجدد والهدوء، كأنها تزور مكانًا يعرفها منذ زمن طويل.

ومع ذلك، تؤكد أن هذا الحب لا ينتقص أبدًا من حبها لوطنها السعودية. تتحدث عنه بفخر واضح، وتصفه بأنه بلد يتطور بسرعة مذهلة، وتشعر باعتزاز عميق لانتمائها إليه. بالنسبة لها، لا يوجد تناقض بين المكانين؛ فباريس تحتضن ذكرياتها وهدوء روحها، والسعودية تمثل جذورها وهويتها ومستقبلها

حياة تُعاش على نار هادئة

بين الدعاء الذي رافقها في أصعب لحظات خوفها على والدها، والمطبخ الذي يذكّرها بأمها، ومدينة أوروبية تحتفظ فيها بذكريات والديها، تعيش إيمان الحميدي حياة هادئة لكنها عميقة. لا تفصل بين الروح واليوميات؛ فالدعاء عندها أسلوب حياة، والطبخ لغة حب، والسفر مساحة يتنفس فيها القلب.

هي لا تقدّم كتبًا فقط، بل تقدّم خلاصة تجربة امرأة تعلّمت أن الحزن يمكن أن يتحول إلى عمل نافع، وأن الذكريات يمكن أن تصبح نورًا للآخرين، وأن القلب يتسع لأكثر من مكان… ما دام ممتلئًا بالإيمان والمحبة

إعداد : رانيا أيوب

صحفية وأخصائية علاج بالطبيعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق