
في الأيام الأخيرة من شهر شعبان، وقبل أن تتبدّل إيقاعات الحياة مع حلول شهر الصيام، تشهد بلاد الشام—وسوريا على وجه الخصوص—طقسًا اجتماعيًا دافئًا يُعرف باسم تكريزة رمضان. ليست هذه المناسبة عيدًا رسميًا، ولا شعيرة دينية منصوصًا عليها، بل تقليد شعبي يعبّر عن حاجة الإنسان للاحتفال بالانتقال من زمنٍ إلى زمن، ومن عاداتٍ يومية إلى إيقاع روحي مختلف.
التكريزة، ببساطتها، تقول شيئًا عميقًا:
نحن لا نستقبل رمضان فجأة، بل نمهّد له بالفرح.
ما هي تكريزة رمضان؟
في الوجدان الشامي، تشير “التكريزة” إلى نزهة أو وليمة جماعية تُقام في أواخر شعبان، حيث تجتمع العائلات والأصدقاء لتوديع الأيام العادية واستقبال الشهر الفضيل.
ويُرجّح باحثون في التراث الشعبي أن الكلمة مشتقة من الاستخدام العامي الذي يدل على الخروج إلى الطبيعة أو التنزّه الجماعي، قبل أن ترتبط زمنيًا بقدوم رمضان (حسن، 2014؛ العلي، 2019).
جوهر التكريزة
- لقاء عائلي أو جماعي
- طعام احتفالي وفير
- نزهة في الطبيعة أو اجتماع منزلي
- تهيئة نفسية وروحية لرمضان
سوريا… حيث تتحول التكريزة إلى ذاكرة حيّة
في المدن السورية وأريافها، تأخذ التكريزة أشكالًا متعددة، لكنها تحتفظ بروح واحدة: الفرح الجماعي.
1. التكريزة الريفية: الطبيعة كمساحة للوداع
في ريف دمشق وحمص والساحل السوري، تتجه العائلات إلى البساتين وضفاف الأنهار، حاملةً معها أطباقًا منزلية وروحًا احتفالية.
الأطفال يركضون بين الأشجار، والنساء يرتبن المائدة، والرجال ينشغلون بإعداد الشاي على نارٍ صغيرة.
إنها لحظة وداع لحرية الأكل في أي وقت، واستقبال لنظام الصيام بانشراح.
2. التكريزة المدينية: بيت العائلة مركز العالم
في دمشق وحلب وحماة، تُقام التكريزة غالبًا في منزل كبير العائلة، حيث تجتمع الأجيال حول مائدة واحدة.
تُسمع عبارات مثل:
“لنلتقِ قبل أن يشغلنا رمضان.”
وهنا تتحول المناسبة إلى فعل صلة رحم، يسبق شهرًا تتكثف فيه العبادات والانشغالات.
3. تكريزة الشباب: تراث بروح عصرية
في السنوات الأخيرة، ظهرت أشكال حديثة للتكريزة:
- لقاءات في المقاهي
- تجمعات طلابية
- صور تذكارية توثق اللحظة
ورغم تغيّر المكان، يبقى المعنى ثابتًا: مشاركة لحظة الانتقال.
أطباق شائعة

- المقلوبة
- الكبة بأنواعها
- المحاشي
- الشاكرية
المقبلات
- الفتوش والتبولة
- الحمص والمتبل
- ورق العنب
الحلويات
- البقلاوة
- المعمول
- خبز المعروك
يرى باحثون أن وفرة الطعام في هذه المناسبة تحمل دلالة رمزية: تأكيد القدرة على العطاء قبل شهر يقوم على ضبط النفس (النجار، 2020).
دلالات ثقافية أعمق من مجرد نزهة
1. طقس عبور زمني
تمثل التكريزة انتقالًا رمزيًا من الحياة اليومية إلى الزمن الرمضاني، وهو ما يصفه علماء الأنثروبولوجيا بـ”طقوس العبور” (Van Gennep, 1909).
2. تعزيز الروابط الاجتماعية
اللقاء قبل رمضان يتيح صلة الرحم وتبادل الزيارات في وقتٍ أكثر هدوءًا.
3. التهيئة النفسية للصيام
بدل استقبال الصيام كحرمان، يأتي بعد لحظة احتفالية، ما يخفف وطأته نفسيًا.
4. ترسيخ الهوية الثقافية
تنتقل التكريزة شفهيًا من جيل إلى آخر، مما يجعلها جزءًا من الذاكرة الجمعية السورية.
التكريزة في زمن التحولات
رغم النزوح والهجرة والظروف الاقتصادية، لم تختفِ التكريزة، بل أعادت تشكيل نفسها:
- في المهجر: تجمعات للجاليات السورية
- في المدن: لقاءات بسيطة بدل النزهات الكبيرة
- في البيوت: موائد متواضعة بروح غنية
وهكذا تثبت الثقافة الشعبية قدرتها على التكيّف دون فقدان جوهرها.
التكريزة في المهجر… حين يصبح الحنين مائدة
في أوروبا وتركيا والخليج، تحافظ العائلات السورية على هذا الطقس كوسيلة لحماية الذاكرة الثقافية.
يجتمع الأصدقاء، تُحضَّر الأطباق التراثية، ويُشرح للأطفال معنى التكريزة.
إنها ليست مجرد مناسبة، بل جسر يربط الأجيال بوطنٍ يسكن الذاكرة





