الحياة اليوميةالصحة و العافية

حين تتحول راحة اليد إلى عبء نفسي: فرط تعرق اليدين بين المعاناة والحل الجذري

قد تبدو اليد المتعرّقة أمرًا بسيطًا في نظر البعض، لكنها بالنسبة لآلاف الأطفال والشباب تشكل معاناة يومية صامتة، تمتد من الطفولة إلى سن الشباب، وتترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا يفوق أحيانًا أثر المرض الجسدي نفسه.

فرط تعرّق اليدين، الناتج عن فرط نشاط الجهاز العصبي الودي، هو حالة تبدأ غالبًا في سن مبكرة، دون سبب مرضي خطير، لكنها تُظهر نفسها بقسوة في تفاصيل الحياة اليومية.

طفولة مرتبكة… ويد منسحبة

في سنوات الطفولة الأولى، حين يُطلب من الطفل في المدرسة أن يمسك يد زميله في طابور الصباح أو أثناء اللعب، تصبح راحة اليد المتعرّقة مصدر قلق وخجل.

يتجنب الآخرون الإمساك بيده، لا عن قسوة، بل عن نفور فطري من البلل، فيشعر الطفل – دون أن يُقال له شيء – أنه مختلف، أو “غير مرغوب”.

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية:
ليست في التعرّق ذاته، بل في الأثر النفسي المبكر الذي قد يرافق الطفل لسنوات طويلة.

سن الشباب: حين تصبح المصافحة امتحانًا

مع بلوغ الشاب أو الشابة سن الشباب، تتخذ المشكلة أبعادًا أعمق.

المصافحة، هذا السلوك الاجتماعي البسيط، تتحول إلى لحظة توتر وارتباك.

يُخفي المريض يديه، يتردد، أو يعتذر بصمت.

وفي قاعات الامتحانات، قد تتبلل ورقة الامتحان نفسها، في مشهد يختصر المعاناة كلها: قلق، تعرّق، وخوف من نظرة الآخرين.

كثيرون يظنون أن الأمر “توتر” أو “قلق عابر”، بينما الحقيقة أن السبب في حالات كثيرة هو فرط إفراز ودي غير إرادي، لا يملكه المريض ولا يستطيع السيطرة عليه بالإرادة وحدها!

محاولات التعايش… وحدودها

يلجأ المرضى إلى حيل مؤقتة:

  • مناشف ورقية.
  • مستحضرات موضعية.
  • قفازات أو تجنب التواصل الجسدي.

قد تخفف هذه الوسائل الأعراض، لكنها نادرًا ما تنهي المشكلة، ويبقى الإحساس الدائم بالمراقبة الذاتية والحرج الاجتماعي.

الحل الجذري: حين يتدخل الطب

ما قد لا يعرفه كثيرون هو أن هناك حلاً جذريًا ونهائيًا في حالات مختارة، يتمثل في التداخل الجراحي عن طريق التنظير الصدري، حيث يتم كيّ أو قطع بعض العقد الودية المسؤولة عن فرط التعرق، والموجودة بمحاذاة العمود الفقري.

هذا الإجراء:

  • يتم عبر شقوق صغيرة جدًا.
  • لا يحتاج إلى جراحة مفتوحة.
  • ويؤدي في كثير من الحالات إلى اختفاء التعرق بشكل شبه كامل.

كأي إجراء طبي، له استطباباته الدقيقة، ويحتاج إلى تقييم متخصص وشرح وافٍ للفوائد والمخاطر، لكنه يمثل خيارًا حقيقيًا ومؤكدًا، وليس مجرد حل نظري.

كلمة أخيرة

فرط تعرق اليدين ليس دلالًا، ولا ضعف شخصية، ولا مشكلة نفسية بحتة.

إنه حالة طبية ذات أثر نفسي واجتماعي عميق، تستحق الفهم والتعامل الجدي.

حين تُسمى المشكلة باسمها، ونعترف بتأثيرها، ونخبر المرضى أن هناك حلولًا حقيقية، نكون قد أزلنا نصف العبء على الأقل.

أما النصف الآخر… فيبدأ حين تمتد يد الطبيب بالعلم، لا بالمصافحة.

الدكتور أحمد إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق