الحياة اليومية

عندما اقترب العالم وابتعدنا قليلاً عن بعضنا البعض

“كنا نجتمع أكثر، حتى عندما لم يكن ذلك ضروريًا”

لم تكن أمسيات البيوت القديمة تحتاج إلى كلمات مرور. كانت الأبواب تُغلق تحت ضوء مصباح واحد، وتُفتح القلوب
تلقائيًا. يجلس الجميع في نفس المكان، ليس لأنهم مجبرون، بل لأن العالم خارج الجدران كان بعيدًا وصعبًا، ولأن العائلة
كانت، ببساطة، هي العالم كله.

وأنا أكتب عن هذا التحول، شعرت أنني أعود إلى أقرب الناس: أفراد عائلتي وأصدقائي الذين عاشوا المرحلتين، ما قبل الشاشات
وما بعدها. سألتهم، لا بحثًا عن إجابة واحدة، بل عن شعور مشترك. كانت الإجابات مختلفة، لكنها اتفقت عند نقطة
واحدة: شيء ما تغير، دون أن يختفي تمامًا.

في الماضي، كما وصفه بعضهم، كانت العلاقات الأسرية تُبنى من تفاصيل صغيرة: نظرة، حكاية تُروى أكثر من مرة،
صمت مفهوم لا يخيف. كان القرب حاضرًا دائمًا، حتى حين يكون خفيًا أحيانًا. غير أن هذا الدفء كان يأتي مصحوبًا
بضيق الأفق؛ إذ لم تكن الأسئلة الكثيرة تجد طريقها إلى الخارج، ولم تكن الاختلافات دائمًا مرحبًا بها. كانت الحياة
أوضح، نعم، لكنها أقل اتساعًا.

ثم جاء الزمن الذي صار فيه العالم يحمل كأنه جيب. قال لي أحدهم، وهو يبتسم ابتسامة مشوبة بالحنين:

“صرنا نعرف عن العالم أكثر… ونعرف عن بعضنا أقل”

دخلت الشاشات البيوت دون استئذان، وجعلت لكل فرد نافذته الخاصة. لم تعد العائلة تجتمع حول حكاية واحدة، بل حول
شبكة من القصص المتزامنة، لكل منها لغتها، وإيقاعها، ومرجعيتها. بدا القرب أقل، لكنه صار مختلفًا، أكثر تعقيدًا، وأقل
براءة.

اليوم، كما لاحظ كثيرون ممن تحدثت معهم، لا يبتعد الأبناء عن أهلهم جغرافيًا، بل رقميًا. يجلسون في الغرفة نفسها،
لكنهم يعيشون في أماكن متفرقة من العالم. هذا التشتت منحهم حرية لم تكن متاحة من قبل، وفتح أمامهم أبواب المعرفة
والحرية، لكنه سحب، بهدوء، بعض الخيوط التي كانت تربطهم بالبيت كمَهد أول.

لم تعد الفجوة بين الأجيال فجوة أعمار فقط، بل فجوة لغات. لغة تُقال وتُسمع، وأخرى تُكتب وتُشترَك بسرعة على الشاشة.
الآباء تحدثوا عن فقدان الدفء، والأبناء عن حاجتهم إلى مساحة خاصة. لم يكن أي منهم مخطئًا، لكن الجميع كانوا قلقين
من الفقد، كلّ بطريقته.

ومع ذلك، لم أسمع في أي حديث نبرة يأس. العائلة، كما بدا لي من هذه الأصوات المتعددة، ليست كائنًا هشًا إلى هذا الحد
هي تتغير، تتألم، تعيد تشكيل نفسها، لكنها لا تختفي. ما يتغير هو شكل الحضور، وليس الحاجة إليه.

ربما لم يعد ممكنًا أن نعيش كما كنا، لكن الممكن، بل والضروري، أن نعيش مع هذا الواقع الجديد. أن نتعلم كيف نكون قريبين
دون أن تلغي فرديتنا، وكيف نستخدم أدوات العصر دون أن نسمح لها بأن تستخدمنا. فالعائلة، في النهاية، ليست ذكرى
جميلة من الماضي، ولا عبئًا في الحاضر، بل مساحة دائمة لإعادة الاكتشاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *