المصممون العرب يرسّخون حضورهم في موسم الهوت كوتور بباريس

في كل موسم من مواسم الأزياء الراقية، تعود باريس لتؤكد مكانتها كعاصمة للخيال الملبوس، حيث تتحول المنصات إلى مسارح للفن، وتغدو الأقمشة لغة تعبير لا تقل بلاغة عن الشعر. وخلال أيام أواخر يناير من موسم ربيع وصيف 2026، شهدت المدينة حضورًا لافتًا لثلاثة أسماء عربية قدّمت رؤى متباينة في الشكل، متقاربة في الجوهر: الاحتفاء بالحرفة، وتكريس الأناقة الراقية كقوة ناعمة لا كزينة عابرة.
بين عرض أقيم في أجواء باريسية أنيقة، وآخر احتضنه فندق عريق في ساحة فاندوم، وثالث قدّم رؤية حالمة للأزياء الراقية المعاصرة، تشكّل مشهد بصري متكامل عكس نضج التجربة العربية في فضاء الهوت كوتور العالمي.
روبير أبي نادر… أناقة تنحت الجسد بالضوء
في الثامن والعشرين من يناير، قدّم المصمم اللبناني روبير أبي نادر مجموعته الراقية لربيع وصيف 2026 في عرض جسّد فلسفته الجمالية القائمة على التوازن بين الصرامة المعمارية والرهافة الرومانسية. لم تكن الفساتين مجرد قطع مترفة، بل تراكيب مدروسة تحتضن الجسد وتعيد رسمه بخطوط ناعمة لكنها حاسمة.
حضرت الفساتين الطويلة ذات الذيول الانسيابية كعنوان أساسي للمجموعة، إلى جانب قصّات تُبرز الخصر وتمنح الكتفين حضورًا مهيبًا من دون قسوة. لوحة الألوان بدت وكأنها تتحرك من النور إلى الظل: درجات العاجي والشامبانيا والذهبي الوردي، قبل أن تبلغ ذروتها في الأسود الدرامي والأحمر العميق.
التطريز، وهو العلامة الفارقة في أعمال أبي نادر، لم يكن تفصيلاً مكمّلاً، بل عنصرًا بنيويًا في التصميم. خيوط معدنية، خرز متلألئ، وزخارف نباتية دقيقة نُفذت على طبقات من التول الحريري والأورغنزا الخفيفة والدانتيل المطرّز يدويًا، لتبدو الفساتين وكأنها لوحات ضوئية تتحرك فوق المنصة.


منال عجاج … رهافة معاصرة بصوت هادئ
في اليوم التالي، التاسع والعشرين من يناير، قدّمت المصممة منال الحجاج عرضها الباريسي الذي حمل مقاربة مختلفة للأزياء الراقية، تقوم على النعومة الواثقة بدل الدراما الصاخبة. تصاميمها انسابت حول الجسد بخفة، مع اهتمام واضح بالبنية الداخلية للفستان، ما منح الإطلالات تماسكًا هادئًا يعبّر عن فخامة غير استعراضية.
اختارت الحجاج لوحة لونية حالمة: الوردي الغباري، الأزرق الضبابي، والبيج الدافئ، مع ومضات فضية التقطت الضوء بانسيابية تحت إضاءة العرض الناعمة. الأقمشة تنوعت بين الشيفون الحريري، التول المطرّز، وأقمشة الكريب المنسدلة، فيما جاء التطريز دقيقًا ومحدودًا، يزيّن الأطراف والأكمام ويعزز الحركة بدل أن يقيّدها.
قدّمت هذه المجموعة مفهوم “الفخامة الهادئة” الذي بات أحد أبرز ملامح الذائقة المعاصرة، حيث تتقدّم جودة التنفيذ ونقاء الخطوط على أي استعراض بصري مباشر.



سعيد قبيسي… “Rebirth” وانبعاث الأناقة الكلاسيكية
وقبل هذين العرضين بيوم واحد، وتحديدًا في السابع والعشرين من يناير، اختار المصمم اللبناني سعيد قبيسي أن يقدّم مجموعته الراقية لربيع وصيف 2026 تحت عنوان “Rebirth” في عرض خاص أقيم داخل فندق ريتز باريس العريق، في صالون d’Été المطل على ساحة فاندوم. المكان، بتاريخيته وفخامته الهادئة، شكّل خلفية مثالية لرؤية تقوم على فكرة الانبعاث وإعادة قراءة الأناقة الكلاسيكية بروح معاصرة.
ركزت التصاميم على إبراز القوام بأسلوب منحوت، عبر بناء داخلي متقن وكورسيهات دقيقة تمنح الفستان حضوره البنيوي من الداخل قبل الخارج. القصّات العمودية أطالت القامة ومنحت silhouettes انسيابية، فيما جاء التطريز غنيًا لكنه منضبط، مستخدمًا البلورات الشفافة والخيوط اللامعة التي التقطت الضوء بحسّ مسرحي راقٍ.
تنقلت لوحة الألوان بين الأبيض اللؤلؤي والذهبي الفاتح والوردي الباهت، قبل أن تتدرج نحو درجات أعمق من البرونزي والزهري المعتّق، في ترجمة بصرية لفكرة “الانبعاث” من النور إلى الدفء. الأقمشة شملت الحرير الثقيل، التول متعدد الطبقات، والدانتيل الفرنسي الفاخر، ما عزز الطابع الملوكي الهادئ للمجموعة.
الحرفة كهوية… والأناقة كتعبير ثقافي
على اختلاف أساليبهم، يجتمع هؤلاء المصممون الثلاثة عند نقطة أساسية: الإيمان بأن الهوت كوتور ليس ترفًا بصريًا فحسب، بل مساحة للحرفة، والوقت، والتفاصيل التي لا تُرى من النظرة الأولى. في زمن تهيمن فيه السرعة على صناعة الموضة، بدت عروضهم كوقفة تأمل في معنى الأزياء الراقية، حيث تُخاط الفساتين ببطء، وتُصمَّم لتُحفظ في الذاكرة لا لموسم واحد فقط.
هكذا، لم يكن الحضور العربي في باريس هذا الموسم مجرد مشاركة في حدث عالمي، بل مساهمة فعلية في صياغة ملامح الأناقة المعاصرة — أناقة تنبع من الجذور، وتخاط العالم بلغة الحرفة والجمال المتوازن.


