
الرحمة هي الصبغة التي وسم الله بها ذاته قبل أن يوسم بها خلقه. هي الجوهر الذي قامت عليه الرسالات السماوية جميعها، والوصية المشتركة التي حملها الأنبياء إلى البشر، مهما اختلفت الأزمنة واللغات والشرائع. لم تكن الرحمة خيارًا أخلاقيًا، بل كانت تكليفًا إلهيًا، وميزانًا يُقاس به صدق الإيمان.
حين تملأ الرحمة قلب الإنسان، لا تبقى حبيسة دائرته الضيقة، ولا تقتصر على العائلة أو المقربين أو من يشبهونه. الرحمة الحقيقية لا تعرف الانتقاء، ولا تعترف بالحدود. إنها تمتد لتشمل الإنسان أيًّا كان، والحيوان الذي لا ينطق، بل وحتى النبات الذي يمنح الحياة بصمت. فالكون بأسره خُلق في حضن الرحمة، ولا يزدهر إلا بها.
الرحمة ليست ضعفًا ولا تراجعًا عن القوة، بل هي أسمى أشكالها. القوة التي تجعل الإنسان عادلًا حين يستطيع أن يكون ظالمًا، ورحيمًا حين يملك القدرة على القسوة. وعندما تمتلئ القلوب بالرحمة، يتسلل إلينا يقين داخلي هادئ أننا بخير، وأن الله راضٍ عنا. فالله لا يُرضيه البطش، ولا تعلو عنده القسوة، بل يعلو ميزان القلب الذي يشعر، ويعطف، وينصف.
تتجلّى الرحمة كقلب الإيمان نفسه؛ فالمسيح لم يعلّم الرحمة بالكلام، بل جسّدها فعلًا حين قال: «طوبى للرحماء، لأنهم يُرحمون». فالرحمة ليست موقفًا أخلاقيًا، بل طريق خلاص، ومن لا يعرف الرحمة، لم يعرف الله بعد.
ومن الناحية الطبية، لم تعد الرحمة مجرد إحساس معنوي يُنسب إلى القلب على سبيل المجاز، بل ثبت علميًا أنها نتاج تفاعل دقيق بين القلب والعقل. فالدماغ يضم مراكز مسؤولة عن التعاطف واتخاذ القرار الأخلاقي، بينما يملك القلب شبكة عصبية مستقلة تؤثر في الانفعالات وتنظيم المشاعر. وعندما يتحرك الإنسان بدافع الرحمة، ينتظم إيقاع القلب وتُفرَز هرمونات التهدئة، فينعكس ذلك على الدماغ سلوكًا أكثر اتزانًا وإنسانية. هكذا تتجسد الرحمة طبيًا كلقاء بين عقلٍ يعي، وقلبٍ يشعر، فإذا انفصل أحدهما عن الآخر اختلّ الميزان الإنساني.
وقد ثبت علميًا ونفسيًاان الأشخاص الذين يفتقرون للرحمة غالبًا يعانون من تعطّل في دوائر التعاطف في الدماغ.أو تربّوا في بيئات مجرّدة من الحنان.أو تسيطر عليهم أنماط تفكير نفعية تجعل العقل يعمل بلا قلب.
هنا يصبح العقل أداة حساب باردة، لا ميزانًا أخلاقيًا.
وهذا ما يفسرظهور أشخاص في أعلى مواقع السلطة، ربما رؤساء دول أو أصحاب نفوذ، يفتقرون إلى أبسط معاني الرحمة. تسيطر عليهم أفكار استعبادية، يتعاملون مع البشر كأدوات، ومع الشعوب كأرقام، غير عابئين بالألم الإنساني ولا بكرامة الإنسان. كأن الرحمة، في حساباتهم، عبءٌ لا قيمة له.
وهنا يفرض السؤال نفسه:
هل نواجه قارونًا آخر؟
قارون لا يُجسَّد في الذهب وحده، بل في الغنى المتجرد من الضمير، وفي السلطة المنفصلة عن الرحمة، وفي القوة التي لا ترى في الإنسان سوى وسيلة لتحقيق المصالح.
لقد علّمنا التاريخ أن كل قوة خلت من الرحمة كانت نذير سقوط، وأن كل استبداد بدأ باحتقار الإنسان، وانتهى بانهيار القيم قبل انهيار العروش. فالعدل بلا رحمة يتحول إلى قسوة، والقوة بلا رحمة تصبح طغيانًا، والحكم بلا رحمة لا يكون إلا استعبادًا مقنّعًا.
في زمنٍ تتشوش فيه المعايير، تبقى الرحمة هي البوصلة الحقيقية، والعلامة الفارقة بين إنسان يحيا بروح الله، وآخر يملك كل شيء إلا إنسانيته.
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.




