الحياة اليوميةالصحة و العافية

حين لا ينجح النوم في إراحة الجسد

يستيقظ كثير من الناس صباحًا بإحساسٍ مربك: نومٌ طويل نسبيًا، بلا سهرٍ واضح، ومع ذلك يبقى التعب حاضرًا، ثقيلاً، كأنه لم يغادر الجسد منذ اليوم السابق.
هذا الشعور، الذي أصبح شائعًا في السنوات الأخيرة، لم يعد يُنظر إليه على أنه مسألة شخصية أو كسل عابر، بل بوصفه ظاهرة صحية تعكس تغيّرًا أعمق في علاقة الإنسان المعاصر بالنوم.

لفترة طويلة، جرى التعامل مع النوم باعتباره مسألة عددية: سبع أو ثماني ساعات كافية لضمان الراحة. لكن الأبحاث الحديثة تشير بوضوح إلى أن هذه المعادلة لم تعد دقيقة، وأن النوم لا يُقاس بمدته فقط، بل بما يحدث داخله.

النوم: عملية نشطة لا استراحة سلبية

خلال النوم، لا يدخل الجسد في حالة خمول، بل يعمل وفق نظام دقيق تتناوب فيه مراحل مختلفة، لكل منها دور محدد.
في بعض هذه المراحل، يعيد الدماغ تنظيم المعلومات والذكريات، وفي مراحل أخرى تُفرَز هرمونات مسؤولة عن ترميم الأنسجة وتنظيم الطاقة ودعم المناعة.

عندما تتعرض هذه المراحل للاضطراب – سواء بسبب الاستيقاظ المتكرر، أو التوتر، أو اختلال الساعة البيولوجية – يصبح النوم أقل قدرة على أداء وظيفته الأساسية، حتى وإن طال زمنه.
لهذا قد يستيقظ الإنسان وقد “نام بما يكفي”، لكنه لم ينم كما ينبغي.

بين النعاس والتعب: فرق غالبًا ما يُغفل

من المهم التمييز بين حالتين مختلفتين:

  • النعاس: وهو الحاجة الفسيولوجية المباشرة للنوم، ويظهر في صورة تثاؤب، ثِقل في الجفون، أو رغبة ملحّة في الاستلقاء.
  • التعب أو الإنهاك: وهو شعور عام بانخفاض الطاقة الجسدية أو الذهنية، قد يصاحبه ضعف التركيز، أو تهيّج المزاج، أو الإحساس بثِقل في الجسد.

الخلط بين الحالتين شائع، وغالبًا ما يدفع الناس إلى حلول غير مناسبة، مثل زيادة استهلاك المنبهات أو البحث عن أدوية منومة، بينما يكون سبب التعب مرتبطًا بعوامل أخرى لا يعالجها النوم وحده.

عادات يومية تُضعف النوم دون أن نشعر

الكافيين وتوقيته

لا يكمن تأثير الكافيين في إبقائنا مستيقظين فحسب، بل في تغييره لبنية النوم نفسها.
تشير الدراسات إلى أن تناوله في فترات متأخرة من اليوم قد يقلل من عمق النوم ويزيد من الاستيقاظات القصيرة غير الملحوظة، ما ينعكس شعوريًا على شكل تعب صباحي، حتى لو لم يلحظ الشخص أي صعوبة في النوم.

الضوء واضطراب الإيقاع الحيوي

يعتمد الجسم على الضوء الطبيعي لتنظيم ساعته البيولوجية.
قلة التعرض للضوء نهارًا، مقابل الإضاءة القوية والشاشات ليلًا، يربك هذا النظام الدقيق، ويؤخر الوصول إلى مراحل النوم العميق.
هذا الخلل أصبح أكثر شيوعًا مع أنماط العمل المغلقة وكثرة استخدام الأجهزة الذكية.

التوتر غير المعلن

لا يظهر التوتر دائمًا في صورة قلق واضح أو أرق مباشر.
كثير من الناس يعيشون في حالة ضغط ذهني مستمر، دون أن يمنحوا أنفسهم فترات تهدئة حقيقية.
هذا “التوتر الصامت” يبقي الجهاز العصبي في حالة نشاط مرتفع، حتى أثناء النوم، فيفقد النوم طابعه المرمّم.

متى يكون التعب إشارة تستحق التوقف؟

رغم أن الشعور بالتعب شائع، إلا أن استمراره لفترات طويلة قد يكون مؤشرًا على مشكلات صحية تحتاج إلى تقييم، خصوصًا إذا ترافق مع:

  • نعاس شديد أثناء النهار
  • صداع صباحي متكرر
  • خفقان أو ضيق في التنفس
  • تغيرات ملحوظة في الوزن أو المزاج

في مثل هذه الحالات، قد يكون التعب عرضًا لاضطرابات في الغدة الدرقية، أو نقص بعض الفيتامينات والمعادن، أو اضطرابات النوم التنفسية، وهي حالات لا تُعالج بإطالة النوم، بل بتشخيص دقيق.

نحو نوم أكثر جودة… لا أطول زمنًا

تجمع التوصيات الصحية الحديثة على أن تحسين النوم يبدأ من تنظيم الحياة اليومية، لا من محاولة تعويض التعب بمزيد من الساعات.
الانتظام في مواعيد الاستيقاظ، والتعرض للضوء الطبيعي، وتقليل المنبهات مساءً، وإدخال الحركة المعتدلة، وتخصيص وقت قصير للتهدئة قبل النوم، كلها خطوات بسيطة لكنها ذات أثر تراكمي واضح.


ختامًا

النوم ليس هامشًا في حياتنا اليومية، بل أحد أعمدتها الأساسية.
وحين يفشل في استعادة طاقتنا، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أننا لا ننام بما يكفي، بل أننا نعيش بطريقة تُرهق الجسد أكثر مما يستطيع النوم إصلاحه.

ربما لا نحتاج إلى ساعات أطول في السرير، بل إلى علاقة أكثر وعيًا مع إيقاع أجسادنا.

إعداد رانيا أيوب

صحفية وأخصائية علاج بالطبيعة


مراجع علمية مختصرة

  1. Medic, G. et al. (2017). Short- and long-term health consequences of sleep disruption. Nature and Science of Sleep.
  2. Irish, L. A. et al. (2015). The role of sleep hygiene in promoting public health. Sleep Medicine Reviews.
  3. Watson, N. F. et al. (2015). Recommended amount of sleep for a healthy adult. Sleep.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق