الحياة اليوميةالصحة و العافية
أخر الأخبار

هل غيرنا لقاح كورونا ؟

التغيير النفسي بعد الجائحة: بين الحقائق الطبية وتجربة الإنسان

بعد خمس سنوات من جائحة كوفيد-19، لا يزال سؤال يتردّد في أذهان كثيرين:
هل نحن اليوم نفس الأشخاص الذين كنّاهم قبل كورونا؟
أم أن شيئًا ما انكسر في الداخل وتغيّر إلى الأبد؟
البعض يربط هذا التغيير بلقاح كورونا،
والبعض الآخر يراه نتيجة طبيعية لمرحلة قاسية.
فأين الحقيقة؟
بين الطب والواقع
تعتمد لقاحات mRNA على تحفيز الجهاز المناعي لإنتاج استجابة وقائية ضد الفيروس، دون الدخول إلى نواة الخلية أو التأثير في المادة الوراثية.
من الناحية النظرية، لا تُصمَّم هذه اللقاحات للتأثير على الدماغ أو النواقل العصبية المسؤولة عن المشاعر والتفكير.
ولهذا تؤكد الهيئات الصحية، ومنها World Health Organization، أن اللقاحات آمنة وفعّالة، ولا تُظهر تأثيرات عصبية دائمة مثبتة علميًا
رغم غياب الأدلة القاطعة، يطرح بعض الباحثين فرضيات حذرة، منها:
أن الاستجابة المناعية قد تؤثر مؤقتًا على كيمياء الدماغ
أن الالتهاب العام قد ينعكس على المزاج
أن التفاعل بين العامل النفسي والبيولوجي قد يكون معقّدًا
هذه الفرضيات لا تعني وجود ضرر مؤكد، لكنها تفتح باب البحث حول التأثيرات الدقيقة بعيدة المدى.
بمعنى آخر: العلم لم يثبت وجود علاقة مباشرة، لكنه لم يُغلق الباب نهائيًا أمام البحث.

إذا لماذا نشعر أننا تغيّرنا؟
هنا يبدأ الجزء الذي لا تُقاس آثاره بسهولة بالأرقام.
نحن لم نمرّ فقط بجائحة صحية، بل عشنا تجربة إنسانية قاسية: خوف يومي من الموت، عزل اجتماعي طويل
أخبار مرعبة، فقدان أحبّة، انهيار الروتين وفقدان الإحساس بالأمان
في الطب النفسي، يُسمّى هذا: صدمة جماعية.
والصدمة تغيّر الإنسان فعلًا.
رأي طبي صريح
لو نظرنا بصدق إلى ما حدث، سنجد أن: اللقاح لا يدخل الدماغ ولا يبقى في الجسم سنوات كما انهلا يغيّر كيمياء المشاعر بشكل دائم
ولو كان يفعل ذلك، لظهرت الظاهرة عالميًا وبوضوح
وهذا لم يحدث، لكن الذي حدث فعلًا هو أننا تعبنا نفسيًا. نحن جيل عاش الخوف طويلًا، وحين يخاف الإنسان كثيرًا، يتغيّر.
كثيرون اليوم يشعرون أنهم: أصبحوا أكثر برودًا، أقل تعلقًا بالآخرين
أسرع غضبًا، أكثر انعزالًا وأقل حماسًا للحياة
بل إن بعضهم يلاحظ: أنه لم يعد يحب من كان يحبهم، أو ينفر ممن كان قريبًا منهم.هذا ليس خللًا أخلاقيً بل آلية دفاع نفسي.
النفس حين تتعب، تحاول أن تحمي نفسها بتقليل المشاعر.

لماذا ربطنا التغيير باللقاح؟
لسبب بسيط: اللقاح كان الحدث الملموس.
أخذنا الإبرة، ثم لاحظنا أننا تغيّرنا، فربطنا الأمر بها.
لكن التغيير كان يحدث قبلها وأثناءها وبعدها.
اللقاح كان “علامة زمنية” لا “سببًا”.
في الطب، لا يوجد “صفر مطلق”. قد توجد حالات فردية نادرة لدى أشخاص لديهم: حساسية عصبية، أمراض سابقة، اضطرابات مناعية اوهشاشة نفسية
لكن هذه حالات محدودة، لا تمثّل ظاهرة عامة.

بين الشك واليقين العلمي
حتى اليوم: لا يوجد دليل قوي على أن اللقاح غيّر الناس نفسيًا جماعيًا
يوجد دليل قوي على أن الجائحة غيّرتنا جميعًا فنحن لم نخرج منها كما دخلنا. لقد خرجنا أكثر وعيًا لكن أكثر تعبًا. وأكثر حذرًالكن أقل طمأنينة.

سؤال شخصي
توقّف لحظة، واسأل نفسك بصدق: كيف كنت قبل كورونا؟
كيف أصبحت بعدها؟
ماذا تغيّر في داخلي؟
هل اهتممت بصحتي النفسية؟
أم تجاهلت التعب حتى تراكم؟
غالبًا ستجد أن الإجابة لا علاقة لها بإبرة بل بحياة كاملة اهتزّت.

دكتور أحمد ابراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *