المعرفة في زمن الوفرة: هل ما نعرفه اليوم أعمق أم أكثر تشتيتاً؟

لم يشهد الإنسان في تاريخه وفرة معرفية كما يشهدها اليوم. فالمعلومة أصبحت متاحة بضغطة زر، والكتب والمقالات والدورات تنتقل عبر الشاشات بسرعة غير مسبوقة. غير أن هذا التدفق الهائل يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نعرف أكثر فعلاً، أم أننا نعرف أسرع فقط؟
بين تراكم المعلومات وبناء المعرفة
المعلومة في حد ذاتها لا تصنع معرفة. فالمعرفة الحقيقية هي نتاج الفهم، والتحليل، وربط الأفكار بالسياق. وفي ظل الاستهلاك السريع للمحتوى، بات كثيرون يكتفون بعناوين مختصرة ومقاطع سريعة، ما يخلق وهماً بالاطلاع دون عمق حقيقي.
القراءة بين المتعة والسرعة
تغيّرت علاقة الإنسان بالقراءة؛ فبعد أن كانت فعلاً تأملياً بطيئاً، أصبحت في كثير من الأحيان نشاطاً متقطعاً تحكمه الإشعارات وضيق الوقت. ومع ذلك، لا تزال القراءة العميقة من أهم أدوات بناء الفكر النقدي وتوسيع الأفق الثقافي، شرط أن تُمارس بوعي لا كمجرد استهلاك.
الثقافة الرقمية وإعادة تشكيل الوعي
أسهمت المنصات الرقمية في إعادة تعريف الثقافة، حيث لم تعد محصورة في النخب أو المؤسسات الأكاديمية. هذا الانفتاح أتاح فرصاً هائلة للتعلّم، لكنه في الوقت ذاته سهّل انتشار السطحية والمعلومات غير الدقيقة. وهنا تبرز أهمية التمييز بين المعرفة الموثوقة والمحتوى العابر.
دور السؤال في صناعة المعرفة
المجتمعات الحيّة هي تلك التي تطرح الأسئلة قبل البحث عن الإجابات الجاهزة. فالسؤال الجيد هو بداية الفهم، وهو ما يحفّز التفكير النقدي ويمنع الركون إلى المسلّمات. ومع تراجع ثقافة السؤال، تتراجع قدرة الفرد على بناء موقف معرفي مستقل.
الثقافة كمسؤولية فردية
لم تعد الثقافة امتيازاً، بل مسؤولية شخصية. فاختيارات الفرد لما يقرأه، وما يتابعه، وما يصدّقه، تشكّل وعيه وتؤثر في محيطه. وكلما ارتفع مستوى الوعي الثقافي، ارتفعت جودة النقاش العام واتسعت مساحات الفهم المتبادل.
خلاصة
في زمن الوفرة، لم تعد المشكلة في نقص المعرفة، بل في كيفية التعامل معها. فالمعرفة الحقيقية لا تُقاس بعدد ما نستهلكه من معلومات، بل بقدرتنا على الفهم والتأمل وبناء معنى يتجاوز السطح. وبين السرعة والعمق، يبقى الخيار الثقافي مسؤولية فردية وجماعية في آن واحد.




